|
المحاضرة
|
كلمة أولياء الأمور في حفل خريجي جامعة البترول عام 1996 م |
|
|
موقع المحاضرة : |
جامعة الملك فهد للبترول والمعادن |
|
تاريخ المحاضرة : |
18/02/1418هـ |
|
شاهد واستمع : |
|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.
معالي الأستاذَ الدكتورَ عبدَالعزيزِ بنَ عبدَاللهِ الدخيَّلِ مديرَ جامعةِ الملكِ فهدَ للبترولِ والمعادن.
زملائِي أعضاءَ هيئةِ التدريس.
إخوانِي آباءَ الطلبةِ الخريجين.
أبنائِي الطلبةَ الخريجين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:ــ
تغمرُني، كما تغمرُ "آباءَ" الخريجين الذين أتحدثُ بالنيابة عنهم، الفرحةُ البالغةُ في هذهِ المناسبةِ السعيدةِ، وهي مناسبةُ انتهاءِ فصلٍ من فصولِ حياةِ فلذاتِ قلوبنِا المديدةِ إن شاءَ اللهْ.
وكيف لا تغمرنا الفرحةُ؟ والله سبحانه وتعالى يقولُ في محكمِ كتابهِ "المالُ والبنونَ زينةُ الحياةِ الدنيا"، ويقول تبارك وتعالى "والذينَ يقولونَ ربنا هبْ لنا منْ أزواجِنا وذرياتِنا قرَّةَ أعينٍ واجعلنا للمُتقِين إمامَا".
أيها الآباءُ: سأحاولُ ــ إن شاءَ اللهُ ــ أن يكونَ ما أقولُه صــدىً لما تجولُ به خواطِرُكم من آمالٍ في أبنائِنا الخريجين.
وكيف لا؟ وكلُّنا نحن "الآباءُ" ننتمي إلى جيلٍ، هو جيلُ الرُّوَّاد الذين عايشوا الفقرَ وينعمون الآن ــ ــ فيما بقيَ لهم من عُمُرٍ ــ ــ في ظلِ حياةٍ آمنةٍ رخية.
أودُ، بادئَ ذي بدءٍ، أن أَذْكُرَ أنَّنِي من "المخضرمين" الذين عاصروا العمليةَ التعليميةَ في بلادِنا في مراحلِها الثلاثِ: مرحلةِ الضعف، ومرحلةِ التطور، ومرحلةِ الترويض.
وَلِيَ وقفاتٌ مختصرةٌ أمامَ هذهِ المراحلِ الثلاثْ.
عاصرتُ العمليةَ التعليميةَ باعتباري أحدَ تلامذتِها حينما كانت كالطفل الرضيع.
وتكفي الإشارة إلى "وقائعَ" متباعدةِ من حيث الزمن ولكنها "منتقاةٌ"، وهي "وقائعُ" عاصرتُها شخصياً لإيضاح ما أجملتُه عن العمليةِ التعليميةِ في مرحلةِ الضعف..
كانت هناك خلالَ سنواتِ دراستي في الابتدائية والثانوية معاناةٌ ليس في سبيلِ الحصولِ على الدفترِ والكتابِ فحسبْ، بل ومن حيثُ فقدانِ البنيةِ التعليميةِ الأساسيةِ بما فيها الحصولُ على المصاريفِ الدراسيةِ الضرورية.
وخلالَ دراستي في "مدرسة الأحساء الابتدائية" افتتحتْ مدرسةٌ ثانويةٌ وكان ذلك في عام 1367 هجرية، وكان نواتُها ثلاثةَ طلابٍ، وتعثرتِ الدراسةُ بالمدرسة الثانويةِ بعد افتتاحها، وكادت تقفلُ أبوابُها لأسباب كثيرةٍ من أهمها عدمُ تشجيعِ الآباءِ أبناءَهم على التعليم الثانوي نظراً لما كان يعتقدُه البعضُ منهم من أن التعليمَ الثانويَّ يمثلُ خطورةً على أخلاقِهِم.
وأنقذَ مدرسةَ الأحساءِ الثانويةِ قبلَ التحاقي بها اتفاقُ رائدَيْنِ من روَّادِ التعليمِ آنذاك هما الأستاذان "عبدُالعزيزِ بْنُ منصورِ التركي" و"محمدْ صالحْ إسلام" على توظيفِ عشرةٍ من طلابِ المدرسةِ الثانويةِ بصفةِ ملازمين ــ أي موظفين تحتَ التمرينِ في ماليةِ مقاطعةِ الأحساءِ وقتَ العصر، وكنتُ واحداً منهم حالَ التحاقي بالمدرسة الثانوية في عام 1372هــ.
وحينما كنتُ في مرحلةِ الكفاءةِ بمدرسةِ الأحساءِ الثانويةِ (أي في عام 1375هـ) نشرتُ بحثاً مضى عليه الآن ما يقربُ من ثلاثةٍ وأربعينَ عاماً في "دليلِ" مدرسةِ الأحساءِ الثانويةِ الذي طُبِعَ بمصرَ في العامِ المشارِ إليهِ (أي في عام 1375هــ)، وكان عنوانُ البحثِ: "أضواءٌ على تربيتِنا".
وظل هذا البحثُ طيلةَ هذه المدةِ طيَّ النسيان، ولكن حان الوقتُ للتذكيرِ بهِ في رحابِ هذهِ الجامعة..
وانصبتْ أفكارُ هذا البحثِ مطالبةً بتحديثِ تربيةِ الطفل وإن كان في محتواهُ السياسيُّ يطالبُ بتعليمِ المرأة.
ومما جاء في هذا البحثِ:
تربيةُ الأطفالِ هي حديثُ المصلحينَ في كل زمانٍ ومكان، حيث يزولُ عنهم ميْلُهُمُ إلى الشرِّ ويقوى فيهم ميلُهُمُ إلى الخير، نعم يكثرُ الحديثُ في ذلك لأن الأطفالَ ــ على حدِِّ تعبيرِهِم ــ النواةُ الأولى والجيلُ المنتظر لعصرٍ يُدعى عصرُ الفوران والغليان....
إن نقطةَ الانطلاقِ التي نسعى لها لا تبدأُ إلاَّ بآلةٍ تحركُها، وهذه الآلةُ هي ناشئتُنا متى وجَّهناهُم، فهم جذُور نهضتِنا وأساسُ وثبتِنا.,,
وفي مكان آخرَ من هذا البحثِ قلتُ:
لقد جعل رجالُ التربية "الأمَّ" محورَ الإرتكازِ في التربية، ونقطةَ الابتداءِ في التوجيه والرعاية، معترفين لها بمفعولهِا الكبيرِ في حياةِ الأطفال
نعم "الأمُّ" التي يرتشفُ الطفلُ منها ــ على حد تعبيرهم ــ مُثُلَهُ العليا وقدوتَه الحسنة ....
يقول نابليون بونابرت: "إن المرأةَ التي تهزُّ المهدَ بيمينها تستطيعُ أن تهزَّ العالمَ بيسارهِا".
"الأمُ" عاملٌ مهمٌ في بناءِ حياةِ الطفل إذ هي مَدْرَسَتُهُ الأولى، وهي كذلك مُدَرِّسَتَهُ الأولى.
إن الطفلَ ينشأُ في وسطٍ عائلي وهو في هذا الوسط يشبُ ويترعرعُ، وبقدرِ قوةِ الثقافةِ التي يتمتعُ بها هذا الوسطُ يكون استعدادُ الطفل لتقبلِ الثقافةِ الخارجيةِ، وما دامت الأمُ الراعيةَ الأولى لتربية الطفل ..... فعلى هذا الأساس تنعكسُ تربيةُ "الأمِّ" الجاهلةِ على ابنها فيكون على شاكلتِها مشلولَ التفكيرِ والفهمِ، يعيش بغرائزِها وعواطفِها...
يقولُ حافظْ إبراهيم:
مَنْ لِي بِتَرْبِيَةِ النِّسَاءِ فَإِنِّهَا ..... فيِ الشَّرْقِ عِلَّةُ ذَلكَ الإخْفَاقِ
الأمُّ مَدْرَسَةٌ إذَا أَعْدَدْتَهَا ..... أَعْدَدْتَ شَعْبًا طَيِّبَ الأَعْرَاقِ
الأُمُّ رًَوْضٌ إِنْ تَعَهَّدَهٌُ الحْيَاَ ..... بِالرَّيِّ أّوْرَقّ أَيِّمَا إِيَرَاقِ
الأُمُّ أُسْتَاذُ الأَسَاتِـذَةِ الأُولَى ..... شَغَلَتْ مَآثِرُهُـمْ مَدَى الآفَاقِ
وتركتُ مدرسةَ الأحساءِ الثانويةِ في عام 1376هـ بعد الحصولِ على شهادةِ "الكفاءةِ" منها متوجهاً إلى "الرياضِ" العاصمةِ للالتحاق بالقسم الأدبي بمدرسة الرياضِ الثانوية لعدم وجود هذا القسم بمدرسة الأحساء الثانوية، وكنا بمدرسةِ الرياضِ الثانويةِ خمسةَ طلابٍ بقسمِها الأدبي، ولا يوجد آنذاك قسمٌ علميٌ بالمدرسة، وكانت المدرسةُ تتشابهُ تماماً مع مدرسةِ الأحساء الثانوية من حيثُ فقدانِ البنيةِ التعليميةِ الأساسية..
ولقد ذهلتُ ــ أيها الأبناءُ الخريجون ــ من الوضعِ الذي كانت عليه مدرسةُ الرياضِ الثانويةِ الوحيدةِ، كانت في غرفٍ متناثرةِ فوقَ دكاكينِ شارعِ "الوزيرِ" الشهيرِ، وكانت هذه الغرفُ تطلُّ على صيدليةِ "تمرْ" الوحيدةِ آنذاك بالرياض حسبَ علمِي. وأتذكرُ أننا إذا نزلَ المطرُ أثناءَ الفُسحِ كنا نهرعُ إلى غرفِ الدراسةِ لنحتمي بها من وابلِ المطر.
هذه نماذجُ، كما سبق القولُ، أردتُ بها تصويرَ واقعِنا خلالَ المرحلةِ التعليميةِ وقتَ ضعفِها ليدرك "أبناؤُنا الخريجون" ذلك الواقعَ إذا ما قِيس بواقعِ اليومِ المختلف.
وعاصرتُ العمليةَ التعليميةَ وقتَ نموِّها وتطورِها ــ باعتباري كما سبق القولُ أحدَ تلامذتِها ــ من خلالِ مراحلِ دراستي العالية بمصرَ وأمريكا، وبعد عودتي أُستاذاً بكليةِ التجارةِ بجامعةِ الملكِ سعود، ومن ثَمَّ عميداً للكلية.
وبعد ذلك عاصرتُ العمليةَ التعليميةَ خلالَ تطورِها وتعددِ توجهاتِها الهائلين في موقعٍ آخرَ وهو حينما كنتُ "وزيراً" على مدى اثنتين وعشرين عاما ابتداءً من عام 1395هــ.
ويصعبُ عليَّ في هذه اللحظات وصفَ النُّقلةِ التعليميةِ فيما بين الأمسِ واليومِ.
ويكفي في اختصارٍ أن أقول:
مدارسُ ابتدائيةٌ وثانويةٌ للبنينِ والبناتِ في مُدُنِ وَقُرَى وَهِجَرِ المملكةِ المتراميةِ الأطراف، وجامعاتٌ ومعاهدٌ هنا وهناك. وتعليمُ المرأةِ على قدمٍ وساقٍ يسيرْ، وفي شكلٍ منقطعَ النظيرْ، ولعل ما حدثَ في خصوصِ تعليمِ المرأةِ قد أشفى غليلي وربما كان صدىً لطموحاتِ البحثِ الذي نقلتُ لكم فقراتٍ منه والذي، كما سبق القولُ، قد مضى على إعدادهِ من قبل شابٍ في المدرسة المتوسطة ما يقربُ من ثلاثةٍ وأربعين عاماً.
ما تَمَّ في مجالِ العمليةِ التعليميةِ في بلادِنا يستحيلُ وصفُهُ في كلمات.
إِنَّها منجزاتٌ فريدةٌ في وقتٍ قياسيٍّ قصيرٍ نُقِلتْ العمليةُ التعليميةُ فيه من وضعٍ إلى وضع.
وأقفُ الآنَ أمامَ المرحلةِ الخطيرةِ التي أسميها لأولِ مرةٍ في رحابِ هذهِ الجامعةِ بمرحلةِ الترويضِ. وهي المرحلةُ التي يملأ جوانبَها كمٌ هائلٌ من الخريجينَ والخريجاتِ فكيف يتِمُ استيعابُهم؟ يقالُ إن هذا هو السؤالُ الصعبُ؟
وأنا أقول للحضور الكرام: إِنه السؤالُ السهلُ وذلك إذا تبصَّرَ الآباءُ الذين أتحدثُ بالنيابة عنهم (وكذلك الآباءُ على امتدادِ رقعةِ المملكة) في عِظَمِ مسئوليتِهمْ ما دامتِ الحكومةُ ــ ــ سياسةً مستقرةً أعرفُها ــ ــ لا تتدخلُ في شئونِهم.
على هؤلآءِ الآباءِ ــ وأنا واحدٌ منهم ــ ترويضُ أبنائِنا ليتكيَّفُوا مع آفاق العمل العظمى المتاحةِ لهم تاريخياً في ديارِهم، وفي مدنِهم، وفي قراهُم، وفي هِجَرِهِم.. وهي آفاق عمل نحسد عليها.
يقول فضيلةُ معالي رئيسِ مجلسِ الشورى الشيخُ الجليلُ أخي "محمدُ بْنُ ابراهيمَ بْنُ جبير" ما مؤداه أنه لا توجدُ في بلادنا بطالةٌ، وهو قولٌ صحيحٌ من رجلٍ حكيمٍ، ويمثلُ قولُه الواقعَ تمامَا.
وأنا أقول بصفتي "أباً": إذا كانت هناك بطالةٌ، فهي بطالةٌ قد أوجدَها بعضُ الخريجينَ في حقِّ أنفسِهِم.
ومقتضى هذهِ البطالةِ عزوفُ بعض هؤلاء الخريجين عن العمل الجاد المفيد والبحثُ عن العملِ السهلِ غير المنتجِ الذي يسمحُ بالتغيبَ عنه دونَ أن يتأثر، ناهيك عن الراحةِ والدعةِ إن لم يكنْ الكسل..
أسمعُ بين الحين والآخر أفكاراً وطروحاتٍ ونظرياتٍ تحت أسماءِ "السعودةِ"، و"يومَ المهنةِ"، و"ترشيدَ العمالةِ الوافدةِ" وغير ذلك من النظريات الهامة.
كمْ أتمنى وقد أتيحت الفرصُ، وتهيأتِ السبلُ، في سبيلِ كسبِ العيشِ الشريفِ أن أجدَ خريجَ مركزِ التدريبِ، وخريجَ المدرسةِ والمعهدِ والكليةِ والجامعةِ وغيرها من مؤسساتِ التعليمِ يمارسُ مهناً مثل السكرتاريةِ، والحدادةِ، والسباكةِ، والنجارةِ، وأعمالِ البناءِ، والتمريضِ، وكافةِ أعمالِ الصيانةِ العاديةِ والمتخصصةِ وغيرها، وهي مهنٌ كان يمارسُها معظم الآباءُ حينما كنا صغاراً وقتَ النُّدرةِ والفاقةِ والعَوز.
كم أتمنى أن لا أقرأَ خبراً مثل الذي قرأته منذُ حينٍ في إحدى صحفنا المحليةِ من أن ما استنزفته العمالةُ الوافدةُ في عام 1416هــ ما مقداره خمسةَ عشر مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل ستةٌ وخمسونَ ألفَ مليونِ ريالٍ سعودي.
تصوروا معي "أيها الأبناءُ" مَاذَا يكونُ عليه الوضعُ لو جزءٌ من هذهِ الثروةِ القوميةِ تم ضخُّهُ في كل عامٍ في داخل البلادِ بدلاً من خارجِها.
ولكي أختمَ حديثِي إليكُمْ لِيَ وقفتانِ مختصرتان:
الأولى: عن حديثِ أبٍ لإبنه،
والثانية: عن جامعةِ الملكِ فهدْ للبترولِ والمعادن.
أما عن حديثِ الأبِ لابنه فهو حديثٌ موجهٌ يإسمكم أيها "الآباءُ" لكل أبنائِنا الخريجينَ الحاضرينَ هنا بما فيهم ابني "عبدالعزيز".
قال اللهُ في محكمِ كتابِه على لسانِ سيدِنا "لقمانْ":
"يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأْنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ، إِنَّ ذَلِكَ مَنْ عَزْمِ الأُُمُورْ، وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ للِنَّاسِ، وَلاَ تَمْشِ فيِ الأَرْضِ مَرَحَا، إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورْ. وَاقْصُدْ فيَ مَشْيِكَ، وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ، إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحْمَيِرْ".
وقالَ "زهيرُ بنُ جَنَابِ الْكَلْبِي" الْجَاهِلِي فِي وَصِيَّتِهِ لِبَنِيهِ:ــ
"يا بُنَيَّ قَدْ كَبُرًَتْ سِنِّي، وَبَلَغْتُ حَرْساً مِنْ دَهْرِيْ، فَأَحْكَمَتْنِي التَّجَارُبُ، والأمورُ تجربةٌ واختبارٌ، فاحفظوا عَنِّي ما أقولُ وعوهُ:
إيَّاكُم والخورَ عند المصائبِ، والتواكلَ عند النوائبِ، فإن ذلك داعيةٌ للغمِ، وشماتةٌ للعدوِّ، وسوءُ ظنٍ بالربِّ.
وإياكمْ أن تكونُوا بالأحداثِ مغترين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنه ما سَخِرَ قومٌ إلا ابتُلُوا، ولكن توقَّعُوها، فإن الإنسانَ في الدنيا غرضٌ تَعَاوَرُهُ الرماةُ، فَمُقْصِرٌ دونَه، وَمُجَاوِزٌ لموضِعِهِ، وواقعٌ عن يمينِهِ وَشِمَالَهِ، ثم لا بدَّ أَنْ يُصِيْبَه".
وأوصى الخليفةُ عليُّ بْنُ أبي طالبٍ كرمَّ اللهُ وجهَهُ بَنِيهِ قائلاً:ــ
يا بَنِيَّ: عاشِروا الناسَ، إن غِبْتُمْ حنَّوا إليكُم، وَإنْ فُقِدْتُمْ بَكُوا عليكُمْ،
يا بَنِيَّ: إنَّ القلوبَ جنودٌ مجندةٌ، تَتَلاَحَظُ بالمودة، وَتَتَنَاجَى بها، وكذلك هي في البُغْضِ، فإذا أحببتمُ الرجلَ من غيرِ خيرٍ سبقَ منه إليكمْ فارجُوهُ، وإذا أبغضْتُمُ الرجلَ من غيرِ سوءٍ سبق منه إليكُم فاحذَرُوه".
وأنا أقولُ لِولدِي يا "بُنَيَّ" خُذْ عَنِّي أمــراً جديداً ــ مـن واقعِ التجربةِ ــ وأضفْهُ إلى ما رويتُه لك عن السابقين.
بعد حصولكَ يا "بُنَيَّ" على الشهادةِ من هذا الصرحِ العظيم.
ستزاولُ يا "بُنَيَّ عملاً مَّا، في مَرفـقٍ مَّا، وفي هــذا المرفـقِ ــ لا محالةَ ــ "رؤساءٌ" و"مرؤسونَ"، فإن كنتَ "رئيساً" فاتقِّ اللهَ في نفسِك وفي مَنْ ترأسُ، "ومن يتقِّ اللهَ يجعلْ لهُ مخرجاً ويرزقُهُ من حيث لا يحتَسِبْ"، وإذا فعلتَ ذلك يتمُّ لك المجدُ والسؤددْ. وإذا كنت "مرؤوساً" فأدِّ عملَكَ بأمانةٍ وإخلاص، واحترمْ "رئيسكَ"، وخاطبهُ بوقار، وإذا فعلت ذلك يتمُّ لكَ المجدُ والسؤددُ أيضًا..
وإذا كنتَ تعملُ مع "فريقٍ" من الزملاءِ تحتَ إمرةِ "رئيسٍ"، فأدِّ عملَكَ الُمُنَاطَ بِكَ بالمشاركةِ مع "زملائكَ" بأمانةٍ وإخلاصْ،
ولكن ــ ــ وهذا هو المهم يا بُنَيَّ ــ ــ لو أجمع زملاؤُكَ على التعرُّضِ "لرئيسكَ" بالنقد وإطلاق الإشاعات حولَهُ وضِدَّهُ، فلا تشاركَهُمْ فِي لَغَطِهِمْ، والتزمِ الصمتَ، وتوجَهْ لعملِكَ حيثُ هوَ مستقبلُكَ، وكنِ "الُمَتَفَرِّدَ" فِيهِمْ والْمُخَالِفَ لَهُمُ الْخِصَالْ، وإذا فعلتَ ذلكَ ستنالُ المجدَ والسؤددَ كامِلاً مُكَمَّلا.َ.ِّ
َ أمَّا أنتِ يا أيتُها الجامعةُ فما ذا أقولُ لكِ؟
أنتِ قلعةُ علمٍ، أنتِ منبتُ رجالْ.
أنتِ كالأمِّ التي تلدُ حسناواتٍ ذواتِ كمالٍ فِي العقلِ والدينِ، وحالما يبلغْنَ سِنَّ الزواجِ يقفُ الخطَّابُ على بابِ بيتكِ من أجلِهِنَّ، وما أكثرَ هؤلاءِ الخُطَّاب.
وتحيةً مني باسمكِ وباسمِ آباءِ الخريجينَ لكلٍّ مِنْ أصحابِ الْمَعَالِي الذين عرفتُ عن كثبٍ مدى محبتِهِمْ لكِ وهمْ الإخْوَةُ الزملاءُ:ــ
أحمد زكي يماني، حسن بن عبدالله آل الشيخ، خالد بن محمد العنقري، بكر بن عبدالله بن بكر.
وقيادةُ هذهِ الجامعةِ الآن بيدِ مَنْ؟ إنها بيدِ "رائدٍ" لا يكْذِبُ أهلَهُ، ويعرفُ هذا "الرائدُ" كيفَ توردُ الإِبِلُ ــ ــ ألا وهو أخي معالي الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الدخيِّل.
ويكفيكِ أيتها الجامعةُ فخراً أنكِ محطُّ أنظارِ زوَّارِ المملكةِ من قادةٍ ورجالِ علمٍ وكنتُ ــ على سبيل المثال ــ في يومٍ من الأيامِ "الوزيرَ المرافقَ" لأحدِ قادةِ دولِ خليجِنا العربي الذي كان في زيارةٍ لكِ.
بل وأكثرُ من ذلك يكفيكِ فخراً أن يكونََ "قلبُ" العمليةِ التعليميةِ النابضِ في الديارِ السعوديةِ خادمُ الحرمينِ الشريفينِ يتوجُ اسْمَكِ.
أيتها الجامعةُ: وأرغبُ قبلَ أن أنهيَ حديثِي التقدمَ لكِ باقتراحٍ يتمشَّى مع مكانتِكِ باعتباركِ منارةَ علمٍ ومنبتَ رجالْ. وهذا الاقتراحُ، رغمَ أنهُ يحتاجُ إلى دراسةٍ مستفيضةٍ، هو باختصارٍ أن تحاولِي مع الجهاتِ المسئولةِ تعديلَ نظامِكِ بحيثُ يشتملُ على ما أسميهُ: "استثمارُ تَقْنِيَةِ الجامعةِ فِي مصانعِ القطاعِ الخاص"، وأعني بذلك في عباراتٍ قانونيةٍ أكثرُ بساطةً: إيجادُ شراكةِ بين معهدِ بحوثِكِ وبينَ بعضِ مصانعِ القطاعِ الخاصِّ المعتمدِ على التَّقْنِيَةِ المتطورةِ.
وموضوعُ هذهِ المشاركةِ استثمارُ التَّقْنِيَةِ المتطورةِ التي يتوصلُ إليها المعهدُ في تلك المصانعِ وفقاً للشروطِ التالية:ــ
1 ــ وضعُ ميزانيةٍ خاصةٍ لهذه الشراكةِ تمولُ سنوياً من قبلِ تلكَ الْمَصَانِعِ، ويكونُ الغرضُ منها الصرفُ بسخاءٍ على بحوثِ المعهد.
2 ــ أن يكون أبطالُ البحوثِ الصفوةَ الممتازةَ من خريجي الجامعةِ الذين يحصلون على درجاتِ الشرفِ الأكاديمية في المجال التَّقْنِي.
3 ــ أن يعين هؤلاءِ الخريجونَ في الْمَصَانِعِ الْمُمَوِّلَة.
4 ــ أن يبقى هؤلاءِ الخريجونَ متفرغين للبحث والابداع في "معهد بحوث الجامعة" بالرغم من تعيينِهم في المصانعِ المشارِ إليها لفترةٍ من الزمنِ يُتَّفَقُ عليها.
5 ــ أن توضع لهؤلاءِ الخريجينَ كافةُ الامكانياتِ الماديةِ والأدبيةِ مع توفير وسائلِ العيشِ الكريمِ لهم وذلك بالاضافةِ إلى استفادتِهِم في الوقت نفسه من كافةِ الفرصِ المتاحةِ في المصانعِ المرتبطينَ بها وظيفياً.
6 ــ أن يكون ما يتوصلُ إليه الخريجون من ابتكاراتٍ وتطويرٍ لصالح المصانع التي ينتمون إليها وظيفياً، والتي عليها بالتالي وضع تلك الابتكارات بعد تسجيِلها قانونِياً موضعَ التنفيذ.
والهدفُ من هذا الاقتراحِ أن تكونَ الجامعةُ ــ بالإضافةِ إلى مهامِّها الأكاديميةِ ــ الباذرةَ الرئيسةَ للتَّقْنِيَةِ المتطورةِ في مصانعِ القطاعِ الخاصِ، أو بتعبيرٍ آخرٍ متكافئٍ أن تكونَ الجامعةُ المغذيَ التكنولوجيَ الرئيسيَّ في عملياتِ النموِّ الاقتصادي الوطنيةِ الشاملة.
وآخر حديثي أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على سيدِ الأنبياءِ والمرسلين محمدِ بْنِ عبداِللهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعين.
والسلامُ عليكمُ ورحمةُ اللهِ وبركاتِهِ،،،،
د/محمد بن عبداللطيف آلملحم
وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء السابق |
|