اتصل بنا روابط ما كتب عنه مقالات ادبية لقاءات صحفية السيرة الذاتية الصفحة الرئيسية
المؤلفات
المحاضرات
ألبوم من حياته
جديد الدكتور
سجل الزوار
     المحاضرات >>
  المحاضرة | محاضرة ثقافية حول كتاب: كانت أشبه بالجامعة

موقع المحاضرة :  إدارة التعليم بمنطقة الأحساء
تاريخ المحاضرة :  25/08/1421هـ
شاهد واستمع :

تلقيت دعوة كريمة من سعادة الأستاذ الدكتور "عبدالرحمن بن ابراهيم المديرس" مدير التعليم بمحافظة الأحساء جاء فيها:ـ أنه ابتهاجاً باختيار "الرياض" عاصمة للثقافة العربية لعام 2000م، وانطلاقاً من دور التعليم في دعم الحركة الثقافية والأدبية في المحافظة، ولما عرف عن "معاليكم" من اهتمام بتتبعِ وبحثِ للأحداث التعليمية والتاريخية وخاصة المتعلقة بمحافظة الأحساء، لذا يسرنا دعوتكم لألقاء محاضرة ثقافية عن التعليم في محافظة الأحساء من خلال استعراض ما جاء في كتابكم القيم (كانت أشبه بالجامعة ).
من الصعوبة، أيها الأخ العزيز، بمكان تغطية موضوع الدعوة في محاضرة وذلك أن الوقت محدود ولايتسع لاستعراض شامل لمحتويات كتاب تتجاوز صفحاته أكثر من خمسمائة صفحة، وهو كتاب يتضمن بين دفتية قصة ملحمة متكاملة الوشائج والأجزاء عن فترة تاريخية حرجة.. ومع هذا فسوف أحاول تلبية هذه الدعوة في إيجاز.
بادئ ذي بدء أود القول أن كتابي "كانت أشبه بالجامعة" مجرد محاولة متواضعة لإنصاف حركة التعليم الحديث في "الأحساء" التي أُهملت كلية من قبل المؤرخين لحركة التعليم الحديث في "المملكة العربية السعودية". وعلى أبناء الجيل المعاصر من "محافظة الأحساء" وقد تهيأت لهم الوسائل التعليمية أن يعيدوا كتابة ما أهمله التاريخ.
وحيث يصعب علي استعراض ما جاء في كتابي في وقت قصير فسوف أكتفي
بإرهاصات أولية وفقاً لما يلي:ـ
يمكن النظر إلى تاريخ التعليم في "الأحساء" وفق المراحل التالية:ـ مرحلة ما قبل استرداد الملك "عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود" "للأحساء" حيث كان التعليم مقتصراً على الجانب الديني ونشر الثقافة التركية. ومرحلة ما بعد استرداد الملك "عبدالعزيز" يرحمه الله "للأحساء" حيث استمر التعليم الديني فيها مع تقلص نشر الثقافة التركية. وكان التعليم الديني فيما قبل وبعد استرداد "الأحساء" في عام 1331هـ في عهدة أسر قليلة أطلق عليها من باب المبالغة "الأسر العلمية". وظل التعليم الديني منحصراً في نسبة قليلة جداً من السكان. أما الغالبية العظمى منهم فالأمية هي السائدة بينهم. وبعد استرداد "الأحساء" بإثني عشر عاماً بدأت مرحلة بوادر التعليم الحديث في "الأحساء" حينما أنشأ رائد التعليم الحديث الأول "حمد بن محمد النعيم" أول مدرسة للتعليم الحديث" تحت مسمى "مدرسة النجاح"، وآزرت أسرة "آل قصيبي" هذه المدرسة، وحظيت هذه المدرسة كذلك بمؤازرة معنوية حينما زارها الملك "عبدالعزيز" يرحمه الله في عام 1348هـ. وفي هذه المرحلة ظل المسئولون عن التعليم الديني في منآى عن التعليم الحديث. وفي عام 1350هـ قدم إلى "الأحساء" بتوجيه من الحكومة رائدان للتعليم الحديث هما "راغب القباني" و"عبدالجليل الأزهري" فأنشئَا "مدرسة للتعليم الحديث" في شارع الخباز المعروف في مدينة الهفوف القديمة. وأصيبت المدرسة بانتكاسة من طبيعة مأساوية بفعل بعض أهالي "الأحساء". وفي عام 1356هـ قدم إلى "الأحساء" "رابع" رائد للتعليم الحديث وهو "محمد علي النحاس". وهذا الرائد وإن كان من حيث الترتيب "الرابع" إلا أنه بكل المقاييس رمز التعليم الحديث على الإطلاق في "الأحساء" نظراً لما تمتع به من حصافة وكياسة في إرساء قواعد المهمة المكلف بها. وحتى في هذه المرحلة ظل المسئولون عن التعليم الديني بعيدين عن شئون التعليم الحديث. ولما توطدت أركان التعليم الحديث حمل الراية من بعد "النحاس" كل من "عبدالله بن عبدالعزيز الخيال، وعبدالعزيز بن منصور التركي، وعبدالمحسن بن حمد المنقور، ومن بعده الأستاذ عبدالله بن محمد بونهية"، ومن ثم من تلاه من مديرين.
ما أسلفت بيانه حقائق تاريخية كلية تحتاج إلى دراسة وتقويم وتأصيل من قبل أبناء الجيل المعاصر في "محافظة الأحساء".
عاصرتُ شخصياً حركة التعليم الحديث في "الأحساء" وهي تتدرج إلى أوج مجدها. وحينما أسرحُ بخيالي عبر نصف قرن تقريباً أجد أن "الحياة" كطرفة عين أو كدقات قلب مهما طالت بها الأيام والسنون.
من عاش مائة عام يتساوى تماماً مع من عاش لحظات مع فارق وحيد هو أن "الأول" يتميز عن "الثاني" أنه عاش زمنه، وكلما تقدَّم به الزمن تكوَّن له مخزون في عقله من الذكريات والعبر والتجارب.
في إطار هذه الحقيقة أود التنويه أن ذكريات الطفولة والشباب تجول دائماً بخاطري، وتشدني إلى أرض "هجر" "مسقط رأسي" رغم أن الله سبحانه وتعالي هيَّأ لي في مسيرة حياتي ما لم أكن أحلم به. تحقق لي كل ما كنت أتمناه رغم أنني ولدت وشببت عن الطوق في بيت ـ من الناحية المادية ـ فقيراً.
أنا مخضرم لأنني أنتمي إلى جيلين: الجيل الماضي والجيل المعاصر.
ولي في هذين الجيلين ذكريات عطرة، والذكريات كما يقول شوقي:ـ صدى السنين الحاكي.
كانت الأمية متفشية في الجيل الماضي وهو الجيل الذي عاصرته طفلاً وشاباً، وفي الجيل المعاصر تُحْتَضُرُ الأمية، وهذه من نعم الله سبحانه وتعالى. والفضل فيها، بعد الله، يعود لأصحاب الجلالة الملوك: عبدالعزيز وسعود وفيصل وخالد وفهد.
كان الذي يكتب بالقلم في الجيل الماضي يسمى [بالكرَّاني]. و[الكرَّاني] كلمة دخيلة على لغة الضاد ولكنها كانت تعادل آنذاك ما يتفاخر به أبناء الجيل المعاصر من ألقاب علمية رفيعة مثل الدكتور أوالعلامة أو المهندس أو الفنان أو [الكمبيوترست]..
كان الجيل الماضي ينام بعد صلاة العشاء الأخير في سطوح المنازل في أجواء ناعمة ذات نسيم عليل. أما الجيل المعاصر فيكاد يهجر النوم مستبدلاً عنه بنوم آخر مُسْتَغْرَقاً بما تحتوي عليه فضائيات عالمنا المعاصر من بث أكثرهُ غثٌ.
كان الجيل الماضي ممن يسكن بعض أفراده في أطراف "مدينة الهفوف القديمة" تدغدغ آذانه في الهزيع الأخير مــن الليل [إلى جانب أصوات الديكة والأذان الأول والأخير لصلاة الفجر] صوت صبي السانية يتغنى في الحقل بأبيات:ـ

يا زارع المشموم فوق السطوحي ..... لا تزرعه يا شيخ عذبت روحي
كل على سطحه يــدور البرادي ..... وانا علـى المحال يسحن فؤادي
وكل في سطحـه في حضنه بنيه ..... وانا على المحال يصرصر علـي

أما الجيل المعاصر فلا يعرف السواني إلاَّ في كتب المعاجم وقد استُعيضَ عنها في سكون الليل بأصوات رافعات الماء ذات المحركات الذاتية الدفع المزعجة.
كان الجيل الماضي يستخدم "الزرابيل" المصنوعة محلياً وقت الشتاء. أما الجيل المعاصر فلا يعرف "الزرابيل" لأنه استعاض عنها بأحسن ما تنتجه إيطاليا وغيرها من أحذية مصنعة مريحة.
كان الجيل الماضي يصنع ما يحتاج إليه، ويأكل ما ينتج بيديه. وتنكَّر الجيل المعاصر لما يصنعه وينتجه الجيل الماضي. أصبح يحب الراحة والدعة ويستخدم ويأكل، وفي تفاخر، ما ينتجه الغير. ولم يتذكَّرْ أن "فقيد البيان" خريج "مدرسة الأحساء الابتدايية" الشاعر الملهم: محمد بن عبدالله بن حمد آل ملحم يقول في قصيدة له:ـ

ومعنى الحضارةِ يكمن في ..... نتاج المواطن لو تفهمون

كان معلم اللغة العربية بالمدرسة الابتدائية في الجيل الماضي مثل الشيخ "عبدالرحمن بن محمد القاضي العدساني" أو الأستاذ "عبداللطيف بن عبدالله بودي" يدرِّس اللغة العربية وبين يديه كتاب "شرح ابن عقيل" في النحو وغيره من أمهات كتب اللغة. ويصعب عليَّ التأكد عمَّا إذا كان معلم اللغة العربية في "المدرسة الابتدائية" في الجيل المعاصر قد قرأ الكتاب المشار إليه، أو على الأقل قد سمع عنه، أو اقتناه في مكتبته ببيته.
وكان همُّ معلمِ المدرسة الابتدائية في الجيل الماضي قراءة الكتاب إذا وُفَّر له. أما معلم الجيل المعاصر فلدية من وسائل التسلية ما يصرفه عن القراءة والمطالعة.
كانت وسائل التعليم لمعلم المدرسة الابتدائية في الجيل الماضي غير متاحة ورغم هذا فكان مستعداً لبذل ما يملك للحصول عليها. أما المعلم في الجيل المعاصر فكل شئ مهيأ له. ومن الصعوبة القول أنه يحاول الاستفادة من ذلك إلا ما ندر.!!
الحديث يطول، والوقت لا يتسع لو تركتُ خيالي يسيح في عالم ذكريات الجيلين: جيل مضى، وجيل نعيشه، وسيترك مكانه لجيل آتٍ.
حينما أكون في "مسقط رأسي" "الأحساء"، ولدي متسع من الوقت، أُمضي بعضاً منه ليلاً متجولاً في المرابع القديمة والأماكن الحالمة التي كنت أعهدها بعد ما شببت عن الطوق، منها ما كان موجوداً داخل "مدينة الهفوف القديمة"، ومنها ما هو خارجها في قرى "هجر" التي كانت تحتضن الحقول اليانعة والعيون الثرة الغنية بالماء الصافي الزلال الذي يقول الله سبحانه وتعالى فيه "وجعلنا من الماء كل شئ حي".
مخزون الذكريات يعرِّفني على تاريخ مضى لتلك المرابع والأماكن. وأجد في جولاتي أن المرابع والأماكن التي عهدتها بالأمس قد تغيرت معالمها اليوم، وأصبحت الآن أثراً بعد عين.

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ..... أنيس ولم يسمر بمكة سامــر

تغيرت هذه المرابع والأماكن كمجسمات ملموسة من حال إلى حال. بعض الحقول أصبحت مبانى، وبعض المبانى تحولت إلى أطلال، والعيون المتدفقة أصبحت قاعاً صفصفاً، والخندق العريض العميق حول "حي الكوت" تحوَّل إلى أسواق عامرة. كل هذا حدث ويحدث أمام ناظري في زمن قياسي لا يتجاوز أربعة عقود من الزمن أو نصف قرن. كل هذه التحولات أمام ناظري باعتباري إنساناً مخضرماً عاصر جيلين. والسؤال الذي دائماً ما أطرحه على نفسي محاولاً الحصول من نفسي لنفسي عن إجابة شافية شاملة له هو ما يلي:ـ أيهما أفضل، من حيث راحة البال، أحوال الجيل الماضي أم أحوال الجيل الحاضر؟
هذا السؤال الذي أطرحه ليس بالجديد. هو سؤال على كل لسان. وتحتار في الإجابة عليه العقول والأذهان. ولا يتسع الوقت لتقديم الإجابة الشافية عليه.
كل ما تحدثتُ عنه من تصورات وتأملات كانت ولاتزال لها انعكاسات على ما استهدفته حينما قررت تأليف كتاب "كانت أشبه بالجامعة". وكان تأليف الكتاب مجرد فكرة عالقة في ذهني منذ ذلك الوقت. وشرحتُ في الكتاب أسباب تبلور تلك الفكرة التي كانت تراود ذهني. ومن الملائم للتذكير أن من أهمهما زيارة الأستاذ "عبدالله عريف" رئيس تحرير جريدة "البلاد السعودية" للأحساء، وما ترتب على هذه الزيارة من شحذ همتي للشروع في وضع تصور للكتاب.

تحدثتُ عن زيارة الأستاذ عريف في كتاب "كانت أشبه بالجامعة" كما يلي:ـ كتب الأستاذ "عريف ـ وكان آنذاك رئيس جريدة "البلاد السعودية" ـ سلسلة من المقالات تحت عنوان "رحلتي إلى المنطقة الشرقية من المملكة ـ كنت في الأحساء ـ"، وكنتُ [أنا] وقت نشر الأستاذ "عبدالله عريف" لهذه المقالات طالباً في السنة "السادسة" بـ "مدرسة الأحساء الابتدائية"، وكانت تلك المقالات التي مضى عليها ما يقرب من نصف قرن ـ ذات طابع شخصي تحدث الأستاذ "عريف" فيها عن مشاهداته وانطباعاته الشخصية عن "الأحساء" التي يزورها لأول مرة. وكنت أتابع قراءة هذه المقالات بشغف شديد رغم صغر سني، وأكثر ما شدني لتلك المقالات أسلوب الإثارة الصحفية إذ خُيل للكاتب ـ في كل ما يكتبه عن الأحساء ـ أنه يكتشف أسراراً لأول مرة، ولعله كان محقاً في ذلك، وذلك لعدم وجود مصنفات تاريخية تتحدث عن جغرافية "الأحساء" وتاريخها وآثارها وعادات أهلها وتقاليدهم. ولهذا يبقى ما كتبه الأستاذ "عريف" على عجل ـ كمادة صحفية تنشر في صفحة يومية آنذاك ـ وثيقة حية تتحدث عن فترة مضت ـ وهي فترة لا يعلم عنها الجيل المعاصر في "محافظة الأحساء" كثيراً.
أما السبب الثاني الذي دعاني مع مرور الزمن لوضع فكرة تأليف الكتاب موضع التنفيذ فهي أنني لم أجد بعد البحث والتقصي ـ في عالم الثقافة الثر في "واحة الأحساء" وحتى الآن ـ من أخذ زمام المبادرة ليتحدث عن تأريخ ـ أو قصة ـ الحركة التعليمية في عهد الملك "عبدالعزيز" يرحمه الله في موضوعية مجردة من خلال الدور الشامخ الذي لعبته "مدرسة الأحساء الابتدائية" العملاقة في تلك الحركة، يستوي في ذلك من رضع العلم بهذه المدرسة، أو حاول ـ مجتهداً ـ أن يتحدث عنها عن طريق السماع أو النقل، وكل ما قرأته مما كتب عنها لم أجد فيه لذة المعاصرة، بل كل ما قرأته مما كتب عنها كان ذا طابع عابر أو وصفٍ، ولم يوثق ـ بكل دقة ـ أوضاع هذه المدرسة "العملاقة" حينما كانت في ذروة مجدها، بل ويشوب ما كتب عنها وعن مسيرة التعليم في "مقاطعة الأحساء" وسائر مدنها وقراها وهجرها ـ بصفة عامة ـ بعض الأخطاء.
ولدى تقديم هذا الكتاب للمطبعة رأيت إهداءه لأبنائي وحفدتي. أما أبنائي فهم الجيل المعاصر وأما حفدتي فهم الجيل القادم. وما جاء في الكتاب ليس إلا محاولة، مجرد محاولة، الغرض منها وضع العملية التعليمية وقت تأسيس المملكة العربية السعودية في إطارها السليم حيث وجدت وقتها أن كل المؤلفات التي تناولت العملية التعليمية وقت التأسيس كانت تقتصر على ما حصل في "منطقة الحجاز" دونما أية إشارة إلى ما تم في "مقاطعة الأحساء". بلد الخير والأخيار.
تألمت مما قرأته قبل تأليفي لكتابي. وكان الغرض من تأليفه هو مجرد لمسة وفاء لمسقط رأسي، ورغبة مني في استدراك ما أهمله التاريخ.
وقبل طبع كتابي نشرتُ حلقات عن بدايات التعليم في "الأحساء" في فترة تأسيس "المملكة العربية السعودية" في جريدة "اليوم". ولقد أعجبت بالخبر الذي نشره وقتها رئيس تحرير جريدة "اليوم" الأستاذ "خليل الفزيع" معرفاً بالحلقات قبل نشرها، وكان عنوانه:ـ "الدكتور آل ملحم يكتب في جريدة اليوم عن المدرسة المنسية". وما ذكره الأستاذ "الفزيع" صحيح إذ على الرغم من أن المدرسة كانت ـ وفقاً لمقاييس العصر الذي أُسست فيه قلعة علم، ومنتدى سمار، ومحط أنظار كل من زار "الأحساء" آنذاك من ولاة أمر، وأدباء، ورجال صحافة، ورجال تربية وتعليم ـ إلاَّ أَنَّ الذين تعلموا بالمدرسة وتخرَّجوا منها فات عليهم من باب الوفاء لمدرستهم الحديث عن أوضاع هذه المدرسة ودورها الهام في العملية التعليمية باعتبارها جزأً مكملاً للعملية التعليمية الشاملة في فترة تأسيس المملكة العربية السعودية.
ولم أتحدث عن المدرسة وحدها باعتبارها مجرد مدرسة في كتابي، بل استخدمت "مدرسة الأحساء الابتدائية" العملاقة بمثابة "نقطة ارتكاز"، أو "مركز اشعاع، أو "مدخل أساس" لموضوع أكبر في مجال الحركة التعليمية "المنسية" في "مقاطعة الأحساء" تاريخياً. ويدخل هذا الموضوع برمته في إطار "علم التاريخ الاجتماعي". وهو العلم الذي يُعنى "بالعملية الاجتماعية" من جميع أبعادها وأهدافها واستراتيجيتها وتأثيراتها وأشخاصها مهما كانت مراكز هؤلاء "الأشخاص" في البنية الاجتماعية والثقافية المكونة للمجتمع أي مجتمع.
وبدلاً من استعراض ما جاء في الكتاب كما طلب مني سعادة الأخ الأستاذ الدكتور "المديرس" فسوف أضعُ في هذه المحاضرة النقاط على الحروف بالنسبة لوقفات هامة لن يدركها إلاَّ من يقرأ بتأنٍ ما بين سطور الكتاب.
الوقفة الأولى . بدايات التعليم في كل من "مقاطعة الأحساء" و"منطقة الحجاز" في عهد الملك "عبدالعزيز" يرحمه الله تكاد تكون ـ من الناحية الزمنية ـ متقاربٌ. ولو استمرت الأمور دونما عوائق من فعل بعض أهالي وعلماء "الأحساء" لكان من شأن ذلك تخرج "جيل مثقف أحسائي" يشارك جيل منطقة الحجاز المثقف في البناء التعليمي والاداري والتنموي في فترة تأسيس "المملكة العربية السعودية" وما تلاها. ولكن بسبب العوائق المشار إليها تأخر بدء التعليم في "الأحساء" لمدة ست سنوات مما ترتب عليه فوز جيل منطقة الحجاز المثقف بالمكانة الأولى مساهماً في البناء التعليمي والإداري والتنموي في تاريخ "المملكة الحجازية ونجد وملحقاتها" التي اصبح اسمها في الواحد والعشرين من شهر جمادى الأولى من عام 1351هـ "المملكة العربية السعودية". والمدة التي ذكرتها أو أقل منها، بل وحتى ولو كانت يوماً واحداً، تعادل حياة جيل كامل. هذه الوقفة تحتاج إلى دراسات علمية جادة لبحث أسبابها عن طريق المقارنة بين معالم البيئة المتفتحة في "الحجاز" ومعالم البيئة المتقوقعة على نفسها في "الأحساء"، وهما البيئتان اللتان احتضنتا بدايات العملية التعليمية الأساسية باعتبارها ظاهرة عصرية في مرحلة تأسيس "المملكة العربية السعودية".
الوقفة الثانية . تميزت الأحساء بوجود أسر أطلق عليها ـ من باب المبالغة ـ "الأسر العلمية". ليس هناك أسر من الممكن أن يطلق على كل فرد من أفرادها بلقب "العالم" لأن هذا غير معقول. وإذا كان هذا معقولاً فمعنى ذلك أن كل من يولد في هذه الأسرة أو تلك يلحقه هذا اللقب بمجرد ولادته. وكان من المفروض منذ حين وَلِوَضْعِ الأمور، من ناحية الأمانة العلمية، في نصابها أن يصحح الأمر. ولذا على سبيل المثال لو سميت أسرة ما "بالأسرة العلمية"، وكان عدد أفرادها يتراوح ما بين المائة أو المائتين نسمة. هل معنى ذلك أن كل هؤلاء المائة أو المائتين "علماء". ولإزالة اللبس لعله من الملائم تاريخياً أن يقال، على سبيل المثال، أن الأسرة الفلانية فيها العالم والقاضي والواعظ وإمام مسجد وهكذا، مما يعني بالتالي أن هذه الأسرة من بين أفرادها من يمارس التجارة أو الزراعة أو الصناعة أو إحدى الحرف أو حتى فيها الجاهل والأمي. لذا من المهم دعوة المهتمين بالعملية التعليمية لبحث الأمر وتقويمه وتصحيحه حتى لا تظل "الأحساء" معروفة بأمور ذات مفاهيم غير دقيقة.
الوقفة الثالثة . رغم ضيق ذات اليد لدى البعض من الأسر في بدايات التعليم في "الأحساء" إلا أن بعض أعيان هذه الأسر (وهؤلاء لا ينتمون لبيوت علم)كانت لهم اليد الطولى في دعم الحركة التعليمية عن طريق التبرعات "لمدرسة الأحساء الابتدائية" وطلابها. لماذا لا تسلط الأضواء الآن على هؤلاء الأعيان وكذا عن الأسباب التي دفعت بهم للتبرع طواعيةً من أجل العلم الحديث وتشجيع طلابه.
الوقفة الرابعة . أثبتُ في كتابي (وشواهد الحال تثبت ذلك) أن معلمَ الأمس أحسن من معلمِ اليوم. معلمُ الأمس "عالمٌ" ومعلمٌُ اليوم "حاملُ شهادة" أهَّلته ليكون معلماً. هذه الظاهرة تستحق إعداد دراسات مقارنة عن أسبابها. وبكتابي أكثر من مؤشر لوضع مثل هذه الدراسات.
الوقفة الخامسة . عن طريق استخدام "مدرسة الأحساء الابتدائية" بمثابة "مركز إشعاع" تناولتُ أحوالَ "الأحساء" من الناحية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والزراعية والأدبية. وما تحدثتُ عنه مجرد رؤوس أقلام يمكن لطلاب البحث والعلم في الجامعة والكلية والمعهد والمدرسة أن يستفيدوا منها بتوسع في دراساتهم وبحوثهم.
الوقفة السادسة . تزامن التعليم الحديث في "مقاطعة الأحساء" مع التعليم الحديث في "منطقة الحجاز". ولم أشر في كتابي عما إذا كان هناك تعليم مماثل متزامن في "منطقة نجد". ما أسباب ذلك؟ مع أنني قد تحدثت في كتابي عن أن التعليم في "نجد" حينما بدأ في فترة لاحقة قد رُبط بالتعليم في "مقاطعة الأحساء" إن لم يكن إدارياً فعلى الأقل مالياً. هذه الحقائق التاريخية قد تناولتها في اقتضاب في كتابي. وتستحق المزيد من الدراسات بغرض إبراز مكانة "بلاد هجر" في العملية التعليمية إبان فترة التأسيس وما تلاها.
الوقفة السابعة . المركزية واللاَّمركزية في التكوين الإداري والسياسي للمملكة العربية السعودية كانت من حيث التطبيق معضلة، لذا يثور التساؤل عن مدى انعكاساتها على العملية التعليمية من حيث وجود عمليتين تعليميتين متوازيتين متزامنتين في فترة التأسيس في شرق وغرب البلاد دون وسطها. وتعكس المركزية واللاَّمركزية صورة "وثيقة" أثبتها في كتابي. وهي "وثيقة" ذات أبعاد كلية سياسية يمكن أن تكون ذات مجال واسع للمهتمين بالدراسات الإدارية والسياسية من أصحاب المؤهلات العليا بالجامعات. وسوف أقرأ نص هذه "الوثيقة" دون التعرض لأبعادها ومضامينها تاركاً ذلك لحس المستمع. يقرأ نص الوثيقة كالتالي:ـ
حضرة صاحب السمو الملكي النائب العام لجلالة الملك المعظم أيده الله
بعد التحية والإجلال: أرفع لسموكم الكريم من طيه مذكرة معتمد المعارف بالأحساء رقم 1129 في 26/4/1370هـ بطلب تركيب تلفون بدار مدير مدرسة الهفوف بمناسبة إسناد استلام رواتب مدارس نجد إليه، وأرجو تعميد الجهة المختصة بتحقيق الطلب المشار إليه، أدام الله توفيقكم،،، مدير المعارف العام (محمد بن مانع). صورة لمعتمد المعارف بالأحساء وصورة لمدير مدرسة الهفوف المحترم.
ماذا يعني هذا الطلب؟ ولماذا تم رفعه للمقام السامي؟ ومن هو صاحب الاختصاص في الإذن بتركيب تلفون، وما هو المبرر لرفع هذا الطلب؟ وثيقة، في رأيي، تفسح المجال لطالب العلم في الجيل المعاصر للبحث والتقصي عما كان عليه الجيل السابق في شأن الاتصالات السلكية واللاَّسلكية، وبمقارنة ما يتمتع به جيلنا المعاصر من حيث وجود الهاتف "الجوال" حتى في جيب الطالب في المدرسة الابتدائية فما بالك بتركيبه بالبيت.



الوقفة الثامنة . وللحركة الأدبية والثقافية نصيب وافر في كتاب "كانت أشبه بالجامعة". ومن رواد هذه الحركة أستاذ الجيل الشيخ الجليل "عبدالله بن عبدالرحمن الملا". كان معلِّماً "بمدرسة الأحساء الابتدائية"، وكان ناشراً للثقافة والمعرفة "بمقاطعة الأحساء" بلا منازع. أسس "مكتبة التعاون الثقافي" وأدارها بنفسه، وكانت تدار من قبل زائري المكتبة معاركُ أدبية عصر كل يوم أمام دكان المكتبة الصغبر في حجمه، الشاهق والسامي في معناه ورسالته حينما كان موقعها في سوق القصيرية التاريخي. كان هذا وضع مكتبة هذا "الرائد" في جيل مضى، والسؤال هو ما هو وضع هذه المكتبة الفاتحة أبوابها حتى الآن في جيلنا المعاصر؟. ومن هم الذين يرتادونها؟ ألا تستحق هذه الظاهرة التنويه عنها في زمن تم فيه هجر الكتاب. يقول أحد خريجي "مدرسة الأحساء الابتدائية" أديب الأحساء الكبير الأستاذ "عبدالله بن أحمد الشباط" عن هذا الرائد:ـ هذا الرجل هو حامل مشعل الثقافة في الأحساء . . إذ نذر نفسه أكثر من نصف قرن من الزمن لخدمة المعرفة، فتجشم المتاعب، وعرَّض نفسه للخسارة المادية، وأضاع الكثير من وقته ليقدم للطلبة والمثقفين وأنصاف المتعلمين زادهم الثقافي من الكتب والمجلات والأدوات المدرسية منذ عام 1354هـ أي منذ كان التعليم يدور في حلقات الذكر، ولا يتعدى مدارس الحديث، ومجالس الوعظ والإرشاد في المساجد.
وإضافة لما سبق، أود أن أحيي "جمعية الثقافة والفنون السعودية ـ فرع الأحساء" حينما كرمت هذا الرجل في "مهرجان هجر الثقافي الثاني" هذا العام باعتباره من رواد الحركة الثقافية في "محافظة الأحساء".
كذلك كان من رواد هذه الحركة رجل أحبَّ "الأحساء"، وله لمسات لا تنكر على تقويم العملية التعليمية في "الأحساء". أنه فقيد العرب وعلامة الجزيرة العربية الشيخ "حمد بن محمد الجاسر" الذي غادرنا إلى مثواه المؤقت منذ شهر. ماذا في إمكاني أن أتحدث لكم عن هذا الرجل العملاق, يكفي أنه كان شاهداً على ما أحرزته المدرسة التي "كانت أشبه بالجامعة" من مجد حيث كان مدرساً بها، وكان له تطلعات فيها ولكن قصر إقامته في "الأحساء" أفقد هذه المدرسة "معلماً" كان في إمكانه إن يضيف لها الشئ الكثير. ويكفي هذا الرائد أنه كان ملء السمع البصر قبل وبعد وفاته. زرته ذات مرة في المستشفى وكان رغم مرضه يسألني عن "الأحساء" وعن بعض رجالاتها. علمت بوفاته وأنا في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان لنبأ وفاته وقع الصدمة بالنسبة لي. ويكفي ـ وأنا أفتخر الآن أمامكم ـ أنه احتل المكان اللائق به في فصل مستقل بكتاب "كانت أشبه بالجامعة".
الوقفة التاسعة . تحدَّثتُ في اقتضاب عن رواد التعليم الحديث في الأحساء فيما سبق ذاكراً أسماءهم. ويستحق هؤلاء الرواد أكثر من حديث عابر. وهذه مهمة طلاب البحث في الجامعة والكلية والمعهد والمدرسة لكي يعدوا دراسات عنهم وعن أسرهم وأحوالها.
ما سبق من وقفات، هي وقفات عابرة، وبالكتاب لمن هم مولعون "بهجر" وقفات أخرى لا يتسع المجال لذكرها. ولكنها كلها تصب في معين واحد وهو أنها كلها معالم تدعو أبناء جيلنا المعاصر في "محافظة الأحساء" ليدركوا ما كان عليه جيلنا السابق. هذا مع العلم أن العملية التعليمية عملية متواصلة مع اختلاف الظروف والامكانيات والوسائل التعليمية.
ولا يفوتني في هذا المجال أن أنوه عن جهود الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بن ابراهيم المديرس التعليمية، وهي الجهود التي أتابعها عن كثب والتي تصب كلها في معين واحد وهو تطوير العملية التعليمية في محافظة الأحساء والأخذ بها إلى آفاق المستقبل الرحبة.
وتبقى من هذه المحاضرة "كلمة" و"خاتمة"..
أما "الكلمة" فهي استجابة لما طلبه الدكتور "المديرس" وهي التحدث عن أبرز طلاب المدرسة التي "كانت أشبه بالجامعة". هؤلاء الطلاب كثيرون. وسأكتفي بذكر اثنين منهم. أما الأول فهو الطالب "يوسف بن عبداللطيف أوسعد" الذي برز فيما بعد

شاعراً متالقاً. وسأكتفي بكلمات الأستاذ "مبارك بوبشيت" في الذكرى الثانية لوفاة "أبوسعد". يقـول الأستاذ "بوبشيت":ـ وتمضي الذكرى الثانية لوفاة "بحتري الأحساء" "يوسف أبوسعد". إن الشاعر "أبوسعد" يرحمه الله شاعرٌ له تجربته الفريدة والمتميزة في عالم الشعر والكلمة. فهو علاوة على كونه شاعراً إلا أن لغته العربية ومفرداته نقية من الشوائب والدخيل، وأسلوبه يمتاز بالجزالة والصياغة الصحيحة في تركيب جمله الشعرية. من بين قصائد الشاعر "أبوسعد" أخترت أبياتاً من قصيدة "نداء القدس"، وهي قصيدة تحكي حال "القدس" هذه الأيام:ـ

دَعِي الْقَيْثَارَةَ فُاتِنُ وَالرَّبَابَا ..... فَقَدْ عَظُمَتْ حَشَاشَتُنَا مُصَابَا
دَعِي الُقَيْثَارَ نَارُ الثَّأْرِ ضَجَّتْ ..... بِأَضْلاَعِي وَهَاتيِ لِي الْحِرَابَا
فَمَا طَرُبَتْ لِهَذَا الْعَزْفِ أُذْنِي ..... وَمَا اسْتَهْوَتْ مَسَامِعِيَ (الْعِتَابَا)
وَمَا هَزَّ الْغِنَاءُ شِغَافَ قَلْبِيِ ..... وَهَذِي الْقُدْسً تُغْتَصَبُ اغْتِصَابَا
تَقَولُ لأُمَّةِ الإِسْلاَمِ هُبُّوا ..... سِرَاعاَ، وَاثْأَرُوا أُسْداً غِضَابَا
بَنُوصُهْيُونَ قَدْ شَدُّوا وِثَاقِي ..... وَكَالُوا لِي الرَّزَايَاْ وَالْعَذَابَا
أَبَاحُوا حُرْمَتِي، وَعَثَوْا بِأَرْضِي ..... فَسَاداَ مَا اسْتَطْعْتُ لَهُ حِجَابَا
بُغَاثٌ إِنْ رَأَوْا وَجْهاً عَبُوساً ..... وَأَشْرَارٌ إِذَا أَمِنُوا الْعِقَابَا
وَلَوْلاَ الْغَرْبُ يُسْعِفُهُمْ دَوَاماً ..... بِأَسْلِحَةٍ لَمَا نَبَحُوا كِلاَبَا
أَنَطْلُبُ حَقَّنَا باِللِّينِ مِنْهُمْ ..... إِذَنْ فَالْحَقُّ قَدْ ضَلَّ الصَّوَابَا
بِغَيْرِ الْحَرب لَنْ نَحْظَى بِحَقٍ ..... وِيُصْبِحُ شَعْبُنَا شَعْباً مُهَابَا
وَمَنْ رَامَ الْحَيَاةَ بِلاَ كِفَاحٍ ..... فَقَدْ خَسِرَ الْحَيَاةَ غَذاً وَخَابَا !
أَقُولُ لَكُمْ وَفِي قَلْبِي ضِرَامٌ ..... وَرَأْسِي مِنْ صُرُوفِ الدَّهْرِ شَابَا!
كَمَا قَالَ (الأَمِيَرُ) لَكُمْ قَدِيماً ..... وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ حَفِظَ الْخِطَابَا
"وَمَا نَيْلُ الْمَطَالِبِ بِالتَّمّنِّي ..... وَلَكْن تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلاَبَا
"وَمَا اسْتَعْصَى عَلَى قَوْمٍ مُنَاهُمْ ..... إِذَا الإِقْدَامِ كَانَ لَهُمْ رِْكَابَا"
بَكَى فِي قَبْرِهِ عُمَرٌ عَلَيْهَا ..... وَعَمْرٌو وَدَّ لَوْ شَدَّ الرِّكَابَا
لِيَجْلِيَ سَيْفَهُ الْمَسْلُولُ عَنْهَا ..... يَهُوداً دَنَّسُوا فِيهَا التُّرَابَا
صَلاَحُ الدِّينَ أَفْزَعَهُ بُكَاهَا ..... وَرَامَ رُفَاتَهُ الْبَالِي إِيَابَا
لِمَاذَا لَمْ يَكُنْ فِينَا صَلاَحٌ ؟ ..... أَمَاتَ الْعَزْمُ، وَالإِقْدَامُ غَابَا؟
أَعِدُّوا مَا اسْتَطْعُتمْ مِنْ سِلاَحٍ ..... لَهُمْ، وَدَعُوا التَّغَابِي وَالْعِتابَا
فَإِحْدَى الُحُسنَيَيْنِ لَكُمْ جَزَاءٌ ..... وَمَنْ أَمَّ الْجِهَادَ فَقَدْ أَصَابَا
فَلاَ لَذَّ الْكَرَى وَيَضِيعُ حَقٌ ..... ولاَ عَيْشٌ بِغَيْرِ الْقُدْسِ طَابَا
وَلاَ عِــزٌ لَنَا نَرْجُـــوهُ إِلاَّ ..... إِذَا خُــذِلَ الْعِـدَا وَالْحَقُّ آبا

أما خريج "مدرسة الأحساء الابتدائية" رفيق دربي أبن عمي الشاعر "محمد بن عبدالله بن حمد آل ملحم" فشهادتي في شعره مجروحة. ولذا أكتفي بإنشادكم قصيدة شعرية له بعنوان "ذِكْرِيَاتُ عَاشِقٍ"ـ:

رُوَيْدَكِ فِي هَجْرِهِ فَاقْصِرِي ..... فَلَيْسَ عَلَى الْهَجْرِ بِالْقَادِرِ
وَرُدِّي عَلَيْهِ الْفُؤَادَ الَّذِي ..... سَلَبْتِهِ ظُلْمَاً وَلاَ تُنْكِرِي!
تَقُولِينَ: فِي الْحُبِّ أَخْطَا فَإِنْ ..... يَكُنْ مِنْهُ ذَاكَ جَرَى فَاغْفِرِي
وَرِقِّي عَلَى عَاشِقٍ مُغْرَمٍ ..... تَحَمَّلَ فَوْقَ الْفَتَى "الْعَامِرِي"!
وَلاَ تُسْرِفِي مِنْ مَلاَمِ الْفَتَى ..... وَلَكِنْ لِمَوْقِفِهِ قَدِّرِي
كَتَمْتُ الُغَرَامَ فَلَمْ يَنْكَتِمْ ..... وَنَمَّ عَلَى بَاطِنِي ظَاهِرِي
وَقَدْ ضُقْتُ ذَرْعَاً بِحُمْلاَنِهِ ..... فَإِنْ بُحْتُ بِالْحُبِّ فَلاَ تُنْكِرِي
أُحِبُّكِ حُبَّاً يُعِلُّ الْفُؤَادَ ..... فَرُحمْاَكِ بِالْعَاشِقِ الصَّابِرِ
حَبِيبَةَ قَلْبِيَ لَوْ تَهْجِرِينَ ر أُحِبُّكِ فِي الْوَصْلِ وَالْمَهْجَرِ
فَإِنَّ الْهَوَى فِي فُؤَادِي ثَوَى ..... وَلَيْسَ لِغَيْرِكِ بِالصَّابِرِ
وَكَيْفَ أَعَافُ الْهَوَىَ بَعْدَ مَا ..... تَجَرَّعْتُ مِنْ نَبْعِهِ الطَّاهِرِ؟
فَإِنْ تَـتْرِكِينِي وَإِنْ تَهْجُرِينِي ..... فَلَيْسَ مُحِبُّكِ بِالْهَاجِرِ
وَإِنْ تَغْدُرِينِي وَإِنْ تُسْرِفِي ر فَلَسْتُ مَدَى الْعُمْر بِالغَادِرِ
فَإِنَّ سَنَا الذِّكْريَاتِ الْحِسَانِ ..... هِـيَ النُّورُ مَا عِشْتُ لِلنَّاظِرِ
وَإِنَّ صَـدَاهَا الرَّنِينَ الْجَمِيلَ ..... يَعِيشُ بِنَفْسِي وَفِي خاَطِرِي
حَبِيبَةَ قَلْبِيَ: هَلْ تَعْلَمِينَ ..... بِإِنَّ الْغَرَامَ مِنَ الأَكْثَرِ
خُدَاعٌ؟ وَأَنَّ الغَرَامَ الصَّحِيحَ ..... قَلِيلٌ وَأَنْدَرُ مِنْ النَّادِرِ!
فَلاَ تَسْمَعِي لِلأُولَى زَيَّفُوْا ..... فَهُمْ "كَالمُعَيْدِيِّ "إِنْ تَشْعُرِي
وَمَبْدءُ "عُرْقَوبَ" مِنْهَاجُهُمْ ..... فَبِئْسَ أُولَئِكَ مِنْ مَعْشَرِ فَلَيْسَ
فَسِيرِي بِنَهْجِ الْغَرَامِ الصَّحِيحِ ..... الْمُنَوَّرُ كَالْحَائِرِ
حَبِيبَةَ قَلْبِيَ: لِمَاذَا الْجَفَا ..... وَحَتَّى مَتَى الْهَجْرُ لِلصَّابِرِ؟
أَحِبَّةَ قَلْبِي وَرَيْحَانَهُ ..... أَمَا تَذْكِرِينَ هَوَانَا الْبَرِي؟
وَأَوْقَاتَ مَرَّتْ بِنَا حُلْوَةً ..... تَضَمَّخْنَ بِالطَّيَّبِ والْعَنْبَرِ بِظِلِّ
جَنَيْنَا بِهِنَّ قُطُوفَ الْمُنَى ..... الْبَسَاتِينِ وَالأَنْهُرِ
أَخِلاَّءُ: أَرْخَى عَلَيْنَا الدُّجَى ..... غِشَاءً مِنَ الْغَسَقِ الْعَبْقَرِي
أَلاَ تَذْكُرُونَ الزُّروُعَ بِهَا ..... وَغَضَّ نَبَاتٍ بِهَا أَخْضَرِ
وَتِلْكَ الْفُرُوعُ التِي لَمْ تَزَلْ ..... تَمُدُّ يَدَيْهَا إِلَى الأَنْهُرِ
تَرَاءَى بِهِنَّ شُعَاعُ الْغُرُوبِ ..... مَرَايَا مِنَ الذَّهَبِ الأَصْفَرِ
فَتِلْكَ الطَّبِيعَةُ نَلْهُوْ بِهَا ..... وَنَمْرَحُ فِي جَوِّهَا الْعَامِرِ مَعَاهِدُ
فَعَيْنُ "الْخَدُودِ" وَ"بَابُ الْهَوَى" ..... ذِكْرَى هَـوَانَا الُبَرِي
أَجَلْ! فَالْمَعَايِشُ فِيهَا غَدَتْ ..... أَلَذُّ كَثِيَراً مِنَ الْحَاضِرِ
أَلاَ فَاذْكُرُوْا الذِّكْرَيَاتَ الَّتِي ..... صَدَاهُنَّ مَا زَالَ فِي الْخَاطِرِ
سَكَنَّ بِقَلْبِي وَسَمْعِي مَعَاً ..... وَمَا غِبْنَ يَوْمَاً عَنِ النَّاظِرِ
تَقُولُونَ: أَيْنَ الْعَرِيشُ الْجَمِيلُ ..... وَأَيْنَ شَذَى نفحه العبهرِي؟
وَتِلْكَ الْجَدَاوِلُ مِنْ تَحْتِهِ ..... أَشُدُّ صَفَاءً مِنَ الْجَوْهَرِ
وَأَيْنَ الضَّوَاحِي وَأَطْيَارُهَا ..... تُغَرِّدُ فِي الْحَقْلِ وَالْبَيْدَرِ
وَ"عَيْنُ الْخَدُودِ" بِهَا الْمُلْتَقَى ..... بِتِلْكَ الْجَدَاوِلِ وَالأَنْهُرِ
يُنَافِسُهَا "الْحَقْلُ" فِي مَدِّهَا ..... وَفِي شَكْلِهَا الْبَاهِرِ السَّاحِرِ
وَعَيْنُ "الْبُحَيْرَةِ" تِلْكَ الَّتِي ..... بِهَا ذِكْرَيَاتُ الصِّبَا الْعَامِرِ
وَتِلْكَ الْعُيُونُ تَرُوقُ الْعُيُـونَ ..... بِمَنْظِرِهَا السَّاحِرِ الشَّاعِرِي
كَأَنَّ الضَّوَاحِي بِشُطْآنِهَا ..... بِسَاطٌ مِنَ السُّنْدِسِ الأَخْضَرِ
يَقُولُونَ: أَيْنَ الْعَرِيشُ الْجَمِيلُ ..... وَأَيْنَ شَذَى نَفْحِهِ الْوَافِرِ؟
فَقُلْتُ: تَوَلَّى الْعَرِيشُ وَمَا ..... سَأَلْتُمُ عَنْهُ مَعَ الْمَعْشَرِ
تَوَلَّى الْقَدِيمُ الَّذِي تَعْهَدُونَ ..... وَجَاءَ الْجَدِيدُ بِلاَ مَخْبَرِ
وَسَوْفَ يَعُودُ الْقَدِيمُ وَمَا ..... عَلَى اللهِ شَئٌ بِمُسْتَنْكَرِ
فَمَا هِيَ إِلاَّ ظُرُوف تَمُرُّ ..... وَلَيْسَ عَلَيْهَا بِمُسْتَأْخِرِ


أما خاتمة المحاضرة فتتعلق باقتراح مني أرغب أن أطرحه لسائر المهتمين بالحركة العلمية والتعليمية والثقافية والأدبية والتاريخية في "محافظة الأحساء". وهذا الاقتراح الذي سأرسم معالمه في عبارات مبسطة هو على النحو التالي:ـ
أن ينشأ مركز مستقل تحت عنوان "مركز الأحساء الثقافي". وأن يكون من الأعضاء المؤسسين لهذا المركز:ـ كلية التربية بجامعة الملك فيصل, وكلية المعلمين التابعة لوزارة المعارف، وجمعية الثقافة والفنون السعودية ـ فرع الأحساء، والغرفة التجارية والصناعية في محافظة الأحساء، وكلية الشريعة بمحافظة الأحساء، ومعاهد التدريب الصناعي والفني بمحافظة الأحساء، ومن يهمهم الأمر من أدباء ورجال علم وأعمال وأصحاب حرف وحتى أميون بمحافظة الأحساء. وأنا مستعد أن أكون من المؤسسين. على أن يمول هذا المركز من قبل هؤلاء المؤسسين وتكون به قاعة كبرى للمحاضرات وكذلك قاعات للبحوث والدراسات . أما مهمة هذا المركز فتنحصر بالعناية بتاريخ "محافظة الأحساء" وتراثها بما في ذلك حركة التعليم والثقافة والأدب بها منذ العهد الجاهلي وحتى هذا العصر الزاهر. كما أن يقوم المركز خلال عملية تنفيذ مهمته بجمع كل ما أُلِّفَ عن "الأحساء" من الناحية التاريخية والأدبية والتراثية والجغرافية والاجتماعية والدينية سواء أكانت هذه المطبوعات باللغة العربية أو بلغات أخرى مع إخضاع سائر هذه المطبوعات للدراسة العلمية بغرض تصحيح ما بها من أخطاء مع الحرص على التوثيق بقدر الإمكان عن طريق التعاون مع المراكز المماثلة الأخرى بداخل المملكة وخارجها.
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه،،،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

-----------------------

المحاضرة نشرت في جريدة الجزيرة على ثلاث حلقات كالتالي:

الحلقة الأولى: العدد: 10044 تاريخ النشر: 14/12/2000م
الحلقة الثانية : العدد: 10051 تاريخ النشر: 21/12/2000م
الحلقة الثالثة : العدد: 10058 تاريخ النشر: 28/12/2000م

تجدها مفصلة في ركن المقالات.



رجوع
جميع الحقوق محفوظة لموقع معالي الدكتور آل ملحم
Copy Right © 2007 www.malmulhim.net
  :عدد الزوار