|
المحاضرة
|
أدبيات البترول |
|
|
موقع المحاضرة : |
نادي المنطقة الشرقية الأدبي |
|
تاريخ المحاضرة : |
29/03/1413هـ |
|
شاهد واستمع : |
|
|
|
أدبيات البترول
البترول .. وظواهر أدبية جديدة
في مساء السبت التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول 1413هـ ألقى معالي الدكتور محمد بن عبداللطيف الملحم محاضرة بعنوان "أدبيات البترول" في "نادي المنطقة الشرقية الأدبي" وحضرها جمعٌ غفير من محبي الأدب والثقافة والفكر من روَّاد النادي.
وقد أهدى الدكتور الملحم هذه المحاضرة لمجلته (المنهل).. ويسعدنا نشر هذه المحاضرة القيمة لقراءنا الأفاضل.
وخالص الشكر والتقدير نقدمه لمعالي الدكتور الملحم على هذا الإهداء والإيثار الذي يدل على خالص تقديره ووفائه لمنهله.
(أسرة المنهــل)
العدد 502 المجلد 54 شعبان 1413هـ فبراير 1993م.
قبل البدء في تحديد إطار موضوع حديثي لا بد لي من المرور من خلال مدخلين أساسين أتناول فيهما، باختصار، أفكار عامة عن أوضاع المنطقة الشرقية أو منطقة الأحساء، سيان، من الناحية التاريخية والاقتصادية والثقافية.
المدخل الأول:
ظلَّ التاريخ السياسي والاجتماعي والأدبي والثقافي للمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية في صورته الشاملة مجهولاً منذ فجر التاريخ وحتى عصورنا الحديثة وذلك ما عدا بعض النتف التاريخية في ثنايا كتب التاريخ المعتبرة, وبعد أن استرد جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه
الله منطقة الأحساء في عام 1331هـ وحتى عام 1379هـ لم تحظ هذه المنطقة بتاريخ مستقل ومتكامل مثلما حظيت به بعض مناطق أخرى بالمملكة العربية السعودية وذلك على الرغم من أن بمنطقة الأحساء على مر العصور أدباء، وفقهاء، وعلماء، وحتى ما ينيف على ثلاثين عاماً خلت من الآن لم تضم المكتبة العربية كتابًا شاملًا واحدًا عن هذه المنطقة يتحدث عن تاريخها وثقافتها وأدبها وذلك على الرغم مما يقال قبل تلك الفترة من أن بها مؤرخين.
وظلت حركة التأليف خارج المنطقة الشرقية سواء من داخل المملكة العربية السعودية أم من خارجها تشير إلى فترات متقطعة من تاريخها، وبكل المقاييس التاريخية يمكن اعتبار كتاب "تحفة المستفيد" للشيخ محمد آل عبدالقادر النواة الأولى لحركة التأليف من داخل المنطقة الشرقية نفسها على الإطلاق، وهو كتاب اعتمد السرد التاريخي غير المتصل من الناحية الزمنية، ولم يتبين مناهج البحث التاريخي الحديثة، ومع ذلك يظل هذا الكتاب، للفراغ الذي حاول سده، عظيمًا ورائعًا.
وقبل صدور كتاب "التحفة" حظيت منطقة الأحساء بعناية مؤرخين، وأدباء، وسياسين، ورجال صحافة من داخل المملكة العربية السعودية ومن خارجها أمثال ابن بشر، ولوريمر، وبلغريف، وماكي، وتويتشل، وهارسون، وفيدال، وحافظ وهبة، وفؤاد حمزة، والزركلي، ورشدي ملحس، وباصميل، وأمين الريحاني، وعبدالله عريف وغيرهم.
تعتبر المنطقة الشرقية أو منطقة الأحساء، هذا الجزء الغالي من بلادنا السعودية، ذات تاريخ مجيد وعريق، وتتكون مرتكزات هذا التاريخ من عوامل أربعة : ديموغرافية، ودينية، واقتصادية، وأدبية، وبسبب هذه العوامل
مجتمعة احتلت منطقة الأحساء مكانًا مرموقًا في تاريخ جزيرة العرب قبل الإسلام وبعده .
كانت منطقة الأحساء ملتقى الحضارات، وعاصرت بقاعها وسهولها ومغانيها شعوبًا وقبائلَ شكَّلت فيما بعد لون الديموغرافية فيها وذلك منذ عصور الجاهلية .
وكانت منطقة الأحساء مصدر خير وبركة للدعوة الإسلامية تمدها بالوقود والأرزاق الوفيرة، وكتب الخراج في الإسلام تشهد على ذلك .. وبالأحساء بيوت علم وأدب، وقد شد الرحال إليها مجدد دعوة الإسلام بديار العرب في العصر الحديث الشيخ محمد بن عبدالوهاب، رحمه الله، طلبًا للعلم بها، وبسبب وضعها الإقتصادي ذاقت منطقة الأحساء الأمرين: عاصرت النهب والسلب، وذاق أهلها مر العذاب أحيانًا بفعل أهلها، وأحيانًا أخرى بفعل الخير .
ولأهمية منطقة الأحساء أو المنطقة الشرقية للمستعمر الغربي في القرنين التاسع عشر والعشرين للميلاد كان أهم كتاب وثائقي تحدث عنها هو كتاب "دليل الخليج" لمؤلفه لوريمر. وكان هذا الكتاب بمثابة "الإنجيل" للحكومة البريطانية بأرض الخليج العربي آنذاك. وتحدث مؤلف الكتاب كثيرًا عن منطقة الأحساء، وبالكتاب الغث والسمين، والصحيح والخطأ، ومع ذلك ظل هذا الكتاب ولا يزال مصدرًا ذا حجية بالغة لكل من تحدث عن أرض هجر. والكتاب أعني "دليل الخليج" كان الغرض منه أن يكون العين المبصرة لصناع القرار البريطانيين بمنطقة الخليج، وبالفعل كان.
وتدوين تاريخ ما قبل استرداد الملك عبدالعزيز آل سعود للأحساء في عـام
1331هـ لا يزال في مراحله الأولى، وظلت الأحساء رغم ما أَلَمَّ بها من مآس بلد النخيل، وبلد الجمال والخضرة، وبلد الحيوية والخير والعطاء .
المدخل الثاني :
وبقي لكي أتناول موضوع حديثي أن أشرح، باختصار، أوضاع المنطقة الشرقية من الناحية الإقتصادية.
لقد أرسي جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، دولة حديثة في الجزيرة العربية على ثلاثة قواعد:
قاعدة دينية، وقاعدة سياسية، وقاعدة اقتصادية .
وفارق جلالة الملك المؤسس، رحمه الله، الحياة مطمئنًا من ثبات هذه القواعد الثلاث، ومن أنها بأيد أمينة.
وكانت القاعدة الدينية بغرب المملكة العربية السعودية، وكانت القاعدة السياسية بوسط المملكة العربية السعودية، وكانت القاعدة الإقتصادية بشرق المملكة العربية السعودية، وتدار هذه القواعد الثلاث الآن من قبل رجال مخلصين على رأسهم خادم الحرمين الشرفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود.
ويعنيني هنا في هذا المقام أن أتحدث عن القاعدة الإقتصادية التي بدأت جذورها بالمنطقة الشرقية، وتفرعت عن هذه القاعدة منذ سنة عقود من الزمن قواعد فرعية قوية أخرى في شتى أنحاء المملكة العربية السعودية،, وهذه القواعد الفرعية ذات طابع تنموي، وتعليمي، وأمني، وعسكري، وثقافي، وزراعي، و وعمراني، وصناعي، وصحي، وسياحي. ويشهد العدو قبل
الصديق على عظمة القاعدة الإقتصادية وفروعها، وبما حققته من انجازات لا مثيل لها بمختلف المقاييس في عالمنا المعاصر .
وأعود على بدء إلى القاعدة الإقتصادية (الأم) في هذه المنطقة. بدأت جذور هذه القاعدة بالزراعة، ثم جاء رديف أكبر لها وهو البترول، وأحدث تفجر البترول تحولات هامة في مختلف مناطق المملكة وبالمنطقة الشرقية بالذات.
وحينما كنت أدرس في مدرسة قانون جامعة ييل Yaleالأمريكية للدراسات العليا التقيت بأستاذ كان له شرف الدفاع عن المملكة العربية السعودية في أهم قضية بترولية في العالم، وكانت هذه القضية بين المملكة العربية السعودية وشركة الزيت العربية الأمريكية، وكانت هذه القضية هي السبب الرئيسي في توجهي لدراسة قانون عالم البترول، وحينما توجهت لهذه الدراسة تفتحت أمامي آفاق جديدة لدراسات كنت أتمنى، بجانب ما أعددته من دراسات قانونية، أن أتوجه لها باحثًا ودارسًا، وهي دراسات تتعلق بما يمكن أن أسميه بـ "أدبيات البترول"، وهو الموضوع الأدبي الذي رأيت طرح معالمه الرئيسية في هذه الصفحات .
ولكي أحدد المقصود من "أدبيات البترول" من المهم أن أستبعد منه ثلاث مجالات هي في عالمنا المعاصر ملء السمع والبصر.
• المجال الأول: " العملية السياسية والبترولية " وهي العملية المعقدة المتعلقة بسياسات البترول سواء داخل الدولة البترولية الواحدة أم فيما بين الدول، وهي سياسات يكثر الحديث والجدل عنها وحولها في أيامنا المعاصرة.
• المجال الثاني : " العملية الإقتصادية البترولية " وتختص هـذه
العملية بسياسات البترول من ناحية الإنتاج وتقنيته، والمحافظة
عليه بباطن الأرض، والتخزين، والتكرير، والبيع، والتسويق، والأسعار.
• المجال الثالث: "العملية القانونية البترولية" وتتعلق باتفاقيات البترول، وإجراءات التقاضي, وفض المنازعات البترولية .
ولقد أُلِّفَ في العمليات الثلاث الكثير من الكتب، وأُنشئَت من أجلها مجلات متخصصة ومراكز للبحوث في الجامعات وغيرها. وباستبعاد هذه المجالات الثلاث عن موضوع حديثي الموسوم بـ "أدبيات البترول" وقبل أن أحدد المقصود من هذه "الأدبيات" أودُّ تقديم الصورة الشعرية التالية وهي من الشعر الشعبي العربي .
بعد التوقيع على اتفاقية امتياز أرامكو في عام 1352هـ كانت أمارة المنطقة الشرقية بحي الكوت أحد أحياء مدينة الهفوف حاضرة الأحساء، وكان أمير المنقطة آنذاك سمو الأمير عبدالله بن جلوي آل سعود، وقرب السراي (أو السراج) حيث مقر الأمارة من جهة شماله "براحة الخيل"، وهي ساحة واسعة مشهورة بالأحساء، واتخذت أرامكو من الأحساء مقرًا لها، وبدأت تمارس نشاطها باحثةً عن الزيت، وبعد نجاحها في اكتشاف البترول، وعن هذا النجاح حبَّر الشيخ "عبداللطيف بن عبدالله الجعفري" أحد مشايخ الشافعية بالأحساء أبياتًا شعبية استقرأ فيها ما كان يتصوره عن مصير هذه الشركة في المستقبل ومدى ماحققته من نجاح.
وبهذه الأبيات الشعرية الخمسة ثلاث كلمات أرغب في شرحها أولاً, وهي أبيات، كما سبق أن ذكرت، تدخل في صميم "أدبيات البترول".
الكلمة الأولى انجليزية الأصل، وهي تيلغراف ((Telegraph ، وعبر عنها الشاعر بكلمة "التيل" بتشديد التاء المفتوحة.
الكلمة الثانية هي "الويل" وتعني هذه الكلمة نوع من القماش الخشن ذي اللون الأصفر، وكان هذا القماش يلبس آنذاك، وقد، ويستخدم السواحل الآن أكياسًا يعلب فيها دقيق صوامع الغلال، وتقرأ الأبيات الشعرية كالتالي:
بِوَسْطِ الْبَرَاحهْ ضُرِبْ ذَا "التِّيلْ".... زَمْرٌ بِلَنْدَنْ تِسِمْعُونَـْه
جَاتِ الشِّرِيكَهْ تَجِرِّ "الرِّيلْ .... وَالْبَرْ كُلّْهْ يَحَفْرُونَـهْ
تِجْرِي الْمَعَادِنْ سِواتِ السَّيـلْ ..... بِوِسْطِ الْمَكَــايِنْ يِصَفُّونَـْه
عِقْبِ السَّواحِلْ ثِيَابِ "الْوِيـلْ"..... وِتَوَالْ شَعْـٍـر يِمْشُطُونَــهْ
يَا أَهْلِ الْجَزِيرهْ دُقُّــو الْهَيـلْ ..... وَذَاكِ الْفَقِـْر مَا عَادَ تَطْرُونَـْه
• تصور هذه الأبيات رغم بساطتها ما أعنيه تماماً من أدبيات البترول,
وتتناول هذه الأدبيات وضعين هاميــن :
أولهما : التحولات التي طرأت على البنية أو التركيبة السكانية بالمنطقة الشرقية،
ثانيهما: تأثيرات "العملية البترولية" بكافة عناصرها، وأطرافها، وأهدافها، وقواعدها على السلوك النمطي لأفراد مجتمع هذه المنطقة وبما يشتمل عليه من أخلاقيات وعادات وتقاليد وقيم.
وهناك حقائق أدت الى قيام هذين الوضعين أسوق منها يلي :
أحدث البترول منذ اكتشافه صدمةً حضاريةً لمست كافة مجتمعات العالم على تفاوت نسبي وبشكل غير مباشر، وبالنسبة لمجتمع المنطقة الشرقية كانت
اللمسة مباشرة ونقلته من وضع إلى وضع قبل غيره من مجتمعات مناطق المملكة العربية السعودية، والمخضرمون منا أي الذين عايشوا عصر ماقبل البترول وبعده، يدركون تلك التحولات الهامة التي أحدثتها تأثيرات هذه المعدن على كل المستويات بمنطقتنا وذلك :
ـ منذ أن تعددت استخداماته في مجالات الزراعة، والصناعة وآليات التقنية، وفي عهدي السلم والحرب .
ـ ومنذ أن أصبح نفس المعدن حلقة حيوية في بنية النظام الإقتصادي الدولي المعاصر كما هو معروف حالياً بتوجهاته وتناقضاته.
ـ ومنذ أن كان البترول بالنظر إلى مشتقاته مصدراً لصناعات أساسية من طبيعة غذائية، وطبية، وتجميلية، وتحويليةز .
وفوق ذلك كله تنظر الأمم الغربية حاليًا إلى معدن البترول لانعدام البديل على أنه من أهم مصادر بقاء حضارتها, ولذا فهذه الأمم لن تالو جهدًا في استخدام كل الاستراتيجيات المتاحة لها ولو كان منها الدخول في صراعات دموية بغية استمرار تدفقه إليها .
وإذا كان هذا شأن هذه المادة في مجتمعات العالم، فما هو الدور الذي أدته في مجتمع المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.
رغم ما أحدثه البترول من تحوُّلات اجتماعية وثقافية وترفيهية في مجتمع المنطقة الشرقية، يلزم بادئ ذي بدء تقرير حقيقتين هامتين:
الحقيقة الأولى: هي ثبات العقيدة الاسلامية في نفوس أفراد مجتمع هذه المنطقة ورسوخها وذلك على الرغم من احتكاكهم قبل غيرهم من أفراد مجتمعات مناطق المملكة العربية السعودية بالعمالة الأجنبية الوافدة من شتى أنحاء الدنيا.
الحقيقة الثانية: هي محافظة أفراد هذا المجتمع على قيمهم العليا ذات الطبيعة الاسلامية العربية .
ومع أخذ هاتين الحقيقتين في الاعتبار، كان مجال "أدبيات البترول" تلك التحولات الاجتماعية التي كانت محل رصد الكثير من رواد الثقافة والأدب من مواطنين وأجانب.
ويتمحور مجال هذه "الأدبيات" في بعدين "اجتماعي ـ ثقافي"، ويتعلق البعد الاجتماعي، كما ترويه كتب الرصد العربية والغربية، بتلك التغيرات التي طرأت على العلاقات الاجتماعية وذلك من خلال أكثر من منظور، وعلى سبيل المثال:
من منظار مجتمع الحي حيث بداخله كان الافراد قبل عصر البترول بمثابة أسرة كبيرة مقفلة، بينها تعارف قوي وتعاون متبادل وفي عهد البترول تفككت عرى التعاون، وتباعد الأفراد بعضهم عن البعض الآخر نتيجة لما طرأ على الحي نفسه من تغييرات أفقدته أصالته أو أزالته كلية.
ومن منظار الأسرة الواحدة حيث كانت قبل عصر البترول أكثر ترابطًا، وفي عهد البترول أصبح الترابط أقل، ويضربون مثلاً لذلك أن رب الأسرة كان يعيش مع بنيه وزوجاتهم تحت بيت واحد، وكان بين كافة أفراد الأسرة مودة ومحبة وتآلف ومؤانسة، أمَّا بعد عصر البترول فالشعور لدى الإبن داخل
أسرته بعدما يشب عن الطوق، ويتزوج هو النزعة نحو التفرد والاستقلالية ليعيش بعيدًا عن محيط أسرته كما هو الوضع في المجتمعات الغربية.
ومن منظار التكافل الاجتماعي تقول نفس المصادر، أن التكافل قبل عصر البترول كان أقوى منه بعد عصر البترول، وكان لعصر الزراعة دور كبير في مجال التكافل لأن منتجاتها كانت من أهم دعائمه .
ومن منظار وسائل الترفيه، كان شباب الحي قبل البترول يمارس وسائل الترفيه البريئة في ظل رقابة آبائهم في ساحات واسعة بوسط الحي، وبعد البترول اندثرت هذه الوسائل نظرًا للتفكك الذي طرأ على الحي نفسه .
أما البعد الثقافي، فمظاهر التغيرات التي طرأت عليه أكثر وضوحًا فيه منها في البعد الاجتماعي .. ومن مظاهر هذه التغيرات، على سبيل المثال، ما طرأ على أوضاع كل من الزراعة ودور الوعظ .
وبخصوص الزراعة كان التعلق بها قبل عصر البترول أقوى منه بعد عصر البترول، ومن المعروف تقليديا أن الزراعة بما كانت تمثله من بيئة خضراء ومياه جارية كانت تشد اليها أصحاب الأحاسيس المرهفة من أدباء وعلماء، وبالأخص ملاك المزارع والبساتين بتبادل الأحاديث الممتعة، والاستماع إلى الجيد من الشعر والطرائف الجميلة، وبعد تفجر البترول أصبحت تلك التجمعات في خبر كان،، وأخذت المشقة تحل محل البساطة، وابتعد الناس عن الزراعة بقدر اقترابهم من مظاهر المدنية التي ترتب عليها تدفق فجائي لثروات ما كانت في الاصل متوقعة.
وبخصوص ما طرأ على دور الوعظ من تغير في دورها حيث كانت قبل البترول تشد أفراد الحي إليها لانعدام وسائل التعليم الحديثة , كانت أشبه ما
تكون ـ قبل البترول ـ بمراكز جذب لأفراد مجتمع الحي، , أما بعد عصر البترول فالغالب منها قد توارى عن الأنظار أو اندثر.
صدمة البترول الحضارية كانت عنيفةً ومفاجئةً وأحدثت انعكاسات في ذهنية أو عقلية الفرد، وتحتوي " أدبيات البترول " ـ لا سيما من كتاب الرصد في العالم العربي والغربي ـ على دعاوى قابلة للتفنيد منها أن الفرد قبل عصر البترول كان متوقد الذهن نشيط الجسم، أمَّا بعد عصر البترول فأصبح اتكاليًا، خامل الذهن، محبا للهو، أضناه الترف فارتمى في أحضان الدعة والكسل.
هذه التصورات التي أتحدث عنها باختصار, تشكل الاطار العام والشامل لما أعنيه بـ" أدبيات البترول "، وكتب عن هذه الأدبيات، كما سبق القول, روَّاد في عالم الأدب والثقافة ببلادنا وخارجها.
ومن أحسن الكتب السعودية التي قرأتها عن"أدبيات البترول" بالمنطقة الشرقية ثلاثة كتب، وإن كان مؤلفوا هذه الكتب لم يستخدموا مصطلح "الأدبيات".
أولهما: كتاب أديب الأحساء الكبير الأستاذ عبدالله بن أحمد الشباط "أحاديث مدينتي القديمة ".
ثانيهما :كتاب الأستاذ الدكتور عبدالله بن ناصر السبيعي "اكتشاف البترول وأثره على الحياة الاقتصادية في المنطقة الشرقية".
ثالثهما: كتاب "بلادنا والزيت" جمع وتقديم الأستاذ الأديب عبدالله بن خميس.
وتحت عنوان "إلى اللقاء يا نبع العطاء " يقول أديب الأحساء الأستاذ الشباط في آخر حديث لبلدته القديمة:
بلدتي القديمة .. ترى أين راحت معالمها .. أين السور .. والدروازة .. وأبراج الحراسة؟ وأين القصور التي نشم منها رائحة التاريخ ..؟ هل صحيحٌ ذهب كل هذا وانطمس..؟ ذابت (دروازة) الخميس كما ذابت دروازة الحزم .. وانطمست معالم السور بين الكوت .. والبلد القديم .. وقصر ابراهيم .. ماذا بقي منه ..؟
ويلي عليك يا بلدتي القديمة .. في البدء قطعوا أغصانك ودفنوها.. واليوم يطمسون معالمك .. لأن مظهرك القديم وأسمالك البالية لم تعد لائقةً بهذا الاستقبال الحافل بكل جديد.
حتى أحاديثك القديمة لم تعد تتمشى مع متطلبات زمن الحداثة والتجديد .. لأن التجديد في عرف المجددين يقتضي إلغاء القديم .. ومحو آثاره .. كأن لم يكن لذلك القديم بطولات يتغنى بها المتخاذلون .. وكأن لم يكن للقديم حضرة، وتاريخ ونبع للعطاء لازلنا منه نغترف، ونستمد ثقافة المستقبل.
مسكينة أنت يا بلدتي القديمة .. كل يوم يدفنون من أعضائك عضوًا .. ويغتالون من أحيائك حيًا.. ويشومون من وجوهك الحزينة وجهًا .. حتى أسمائك القديمة لم تعد تعجبهم .. فاختاروا لأبنائك أسماءً جديدةً تتمشى مع التجديد .. حتى إن القادمين إليك لا يستدلون على شئ من معالمك, ولايرون مظهرًا من آثارك القديمة لأنها أصبحت في خبر كان .
ويقول الأستاذ الدكتور السبيعي في مقدمة كتابه :
لا مراء أن اكتشاف النفط في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية حدث ضخم، وربما كان من أضخم الأحداث التي
شهدها هذا القرن في جزيرة العرب، بل وفي العالم كله . ولكن هذا الحدث الكبير لم يحظ بنصيب وافٍ من الدراسة والاستقصاء.
فالدراسات التاريخية على قلتها، وعدم تطرقها إليه، تعمد إلى نهج الكتابة التاريخية التقليدية دون تصد لتحليل النواحي الاجتماعية .. والثقافية، والخروج بدراسة تاريخية شاملة تستظهر بالمعلومات التاريخية والبيئية والاجتماعية المختلفة لتضع حدثًا اقتصاديًا مثل هذا في منظار شامل وواسع .
أما كتاب الأستاذ الأديب "ابن خميس" والذي لمس في بعض جوانبه ما أعنيه بـ " أدبيات البترول" فقد اشتمل على موضوعات لا تدخل في موضوع البحث الذي أنا بصدده .. ومع ذلك فقد تطرق الكتاب إلى جوانب من "ادبيات البترول" وهي تلك التي تتعلق بالجوانب الاجتماعية والثقافية، ومادة الكتاب عبارة عن إابات على استفسار طرحته مجلة "الجزيرة" منذ عشرين عامًا على نخبة من المفكرين السعوديين، ومن يطلع على هذا الكتاب الآن يجد أن خطط الدولة الأربع الطموحة للتنمية قد أجابت على معظم التساؤلات التي وردت فيه، لا أنه فيما يتعلق بـ "أدبيات البترول" فلا تزال له أهمية كبرى.
وقبل إنشاء الجامعات السعودية كانت المصادر المحلية في خصوص "أدبيات البترول" قليلة إذا ما قورنت بالزخم الهائل من الكتب الأجنبية التي تصدت لهذا اللون من الأدب وذلك عند تناولها لجوانب "العملية البترولية" بالمنطقة الشرقية من الناحية السياسية والاقتصادية والقانونية .
وبعد إشاء الجامعات السعودية وتكثيف البعثات الطلابية إلى خارج الديار السعودية تعددت مصادر "أدبيات البترول" على النحو التالي:
أولاً : ما كتبه الرواد الأوائل الذين استقطبتهم شركة الزيت العربية الأمريكية للعمل لديها طوال العقود الخمسة الماضية، ومن المعروف أن شركة أرامكو قبل أن تكون سعوديةً بجانب ما كانت تقوم به من نشاط اقتصادي بحت بحكم عقد امتيازها، كان لها مراكز للبحث عن أوضاع مجتمع المنطقة الشرقية من الناحية الاجتماعية والثقافية والأدبية والديموغرافية في كل من الظهران, والدمام، ولونج آيلند بنيويورك. وكشف السيد ف.ش. فيدال في مقدمة كتابه "واحة الأحساء" عن هذه الحقيقة، كما أن هذه الحقيقة مترجمة في كتاب "دليل أرامكو" باللغة الانجليزية المعد من قبل السادة ستاينبك، ورنتز، ولوبكشر.
ثانيًا: تزخر مكتبات أشهر الجامعات الأمريكية كجامعة "ييل"، وهارفرد، وكولمبيا، ومشجن، وتكساس، ومكتبة الكونجرس الامريكي وغيرها، وكذلك الجامعات البريطانية بدراسات تتعلق بـ "أدبيات البترول"، وكانت هذه الدراسات تمول إمَّا من قبل شركة أرامكو أو من إعداد طلابنا المبتعثين للدراسات العليا بالجامعات الأمريكية والبريطانية، وقد اطلعت على بعض من هذه الرسائل.
ثالثا، : وبدأت مكتبات جامعاتنا السعودية تتملك كثيرًا من الرسائل العلمية عن "أدبيات البترول" من إعداد طلاب سعوديين بعد أن بدأت هذه الجامعات في منح الدرجات العلمية العليا، وقد اطلعت على بعض من هذه الرسائل.
وفي إطار "أدبيات البترول" تتضمن هذه الرسائل جوانب ايجابية وسلبية عن الحياة الاجتماعية والثقافية بمجتمع المنطقة الشرقية، وهنا بيت القصيد. ومن يطلع على النسخة التي أودعها السيد ف.ش. فيدال بمكتبة جامعة هارفرد
للحصول على درجة الدكتوراة عن كتابه المسمى "واحة الأحساء" يجد الدليل على صحة ما ذكرته .
الحديث عن "أدبيات البترول" شيق، ولكنه طويل، ولا يتسع وقت هذه المحاضرة للاحاطة به. ولديَّ بحوث في هذا المجال سأعملُ على نشرها إن شاء الله، وكل ما دونته هنا مجرد خواطر عن موضوع كبير وخطير.
وعود على بدء لما سبق أن ذكرته في مقدمة حديثي هذا من هناك مهمة أرى أن يتوجه إليها نادي المنطقة الشرقية الأدبي، وهي مهمة يتميز بها هذا النادي في تقديري، عن غيره من سائر نوادي مناطق المملكة الأخرى، ألا وهي بعث تراث المنطقة الشرقية الأدبي، واستقطاب رجال العلم والأدب بها. وأقصد بالتراث الأدبي هنا التراث المحلي الذي لا يزال الكثير منه حبيس المخطوطات. وقد اطلعت على البعض منه. وكذلك التراث الأجنبي مما له علاقة بمجتمع هذه المنطقة.
إن الغرض من التعرف على التراث الأجنبي مما له علاقة بـ "أدبيات البترول"
عربيًا كان أو غربيًا، هو القيام بالدفاع عن مجتمع هذه المنطقة، وعن عقيدته، وعـن أخلاقه، وعن مُثُلُهِ ضد الدعاوى التي يروجها رجال سبق أن اشتغلوا بهذه المنطقة ممن استقطبتهم شركة الزيت العربية الأمريكية من أعرق الجامعات في كثير من الدول ومنها الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي إمكان النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية إذا كان لديه التمويل المالي الكافي اتخاذ الخطوات التالية:
أولا: دعوة من عاصروا العملية البترولية بهذه المنطقة أو شاركوا فيها من الناحية العملية حتى ولو كانوا متقاعدين، أو استفادوا منها عن طريق المقاولات وتقديم الخدمات لكي يتحدثوا عن مدى تأثيرات هذه العملية البترولية على أحوالهم وشؤون معاشهم، وعن إيجابيات هذه العملية.
ثانيًا: نشر الرسائل العلمية المتعلقة بـ "أدبيات البترول" سواء ما كان منها بجامعاتنا أو بالجامعات الأجنبية، مع تصحيح ما بها من أخطاء ذات مساس بأخلاقنا أو قيمنا أو عقيدتنا.
ثالثًا: تقديم الدعم المالي لمن يرغب في إجراء بحوث في الأدب والثقافة بالمنطقة الشرقية بما فيها "أدبيات البترول".
رابعًا: تجميع ما ينشر في المجلات المتخصصة المحلية والعربية والأجنبية عن ثقافة وأدب المنطقة بما فيها "أدبيات البترول".
----------
التعليقات
----------
تعليق (1)
الكاتب: علي عبد العزيز العبد القادر
الناشر :جريدة اليوم، العدد 7071
تاريخ النشر: 28/4/1413 هـ 14/101992 م
على هامش محاضرة معالي
الدكتور محمد الملحم
"أدبيات البترول"
للدكتور علي عبد العزيز العبد القادر
لقد أحسن النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية فعلا أن افتتح موسمه الثقافي بمحاضرة معالي الدكتور محمد الملحم وزيرالدولة.. عضو مجلس الوزراء.. الذي قدَّم محاضرته لأبناء المنطقة ورجال الفكر والأدب فيها حول موضوع حيوي تندر الدراسات حوله في العالم العربي أَلاَ وهو "أدبيات البترول" ومعاليه خبير في شئون العلاقات البترولية وأنظمتها لذلك يأتي الموضوع ناضجًا، واضحًا في معطياته ومضامينه.
وما أسفتُ له هو أنني لم أحضر المحاضرة لأن الدعوة وصلت ألي بعد أسبوع من موعد المحاضرة.. والنادي هو المسئول لأنه اعتاد أن يرسل دعواته إليَّ على عنوان العمل وليس على عنوان البريد الذي أعلمتهم عنه، وهذا يوضح سبب عدم حضوري في مناسبات النادي.. وإنني لشغوف بأن أستمع إلى معاليه يلقي المحاضرة لأن في إلقائه ابداعًا في الأداء.. لا أزال أتذكَّره منذ أربعين سنة في "مدرسة الهفوف الأولى" حينما ألقى اسهامه في مناظرة شيقة.. وكانت هذه المدرسة "شبيهة بالجامعة" وهو ما أطلقه عليها معالي الدكتور الملحم في سلسلة مقالاته الرائعة عنها.. فله باع في الـتأليف والخبرة والتخصص العلمي الذي توجَّه بدرجة الدكتوراه بمرتبة الشرف في علم القانون.. أما خبرته في ميدان العمل الأكاديمي فإنه خبير بكيفية الحديث وإقائه.. وبما ينتزع اهتمام سامعيه. أمَّا خبرته في الميدان الوظيفي في مجلس الوزراء وفي اعداد الأنظمة.. فانها ثرية بمعطياتها على مستوى الوطن.
"أدبيات البترول" موضوعٌ يستقطب علماء البترول وعلماء القانون وعلماء الاقتصاد السياسي وغيرهم وقد وُفِّقَ المحاضر في اختيار الموضوع.. حيث يلقيه في المنطقة الشرقية منبع البترول.. وحيث تقف على أرصفة موانئها ناقلات النفط.. وحيث تشمخ أبراجه في سماء المنطقة لتشكل عنصرًا من عناصر تكوينها الطبيعي ..ولتشارك هذه الأبراج أبراج عشرات السفن في ذهاب وإياب إلى سواحل وموانئ المنطقة، ولتصاحب رمز الوطنية في دلالتها الاقتصادية والاجتماعية..ألاَ وهي "النخلة" التي تترجم تاريخًا معطاء.. فياضًا بالخير والحب والمجد حيث تتناغم أهازيج البحارة وصفارات البواخر وأغاني الفلاحين في "الأحساء" و"القطيف".. تترجم ملحمة العطاء وتعلن عن الخير ينتشر في أصقاع الدنيا.
قرأت محاضرة معاليه "أدبيات البترول" والتي بدأها بمخاطبة أساتذته الأماجد.. وفاء لهم بعظيم صنعهم.. والوفاء قمة المروءة.. الذين حضروا محاضرته.. ثم أشار إلى ذكرى اليوم الوطني المجيد للمملكة حيث بدأت قافلة الخير والعطاء تشق الطريق منذ ذلك اليوم الذي وَحَّدَ المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود يرحمه الله أقاليم المملكة.
وكان لحضور صاحب السمو الملكي الامير سعود بن نايف نائب أمير المنطقة اثر في نفوس الحاضرين وفي مقدمتهم معالي المحاضر.
ولقد أوضح معالي المحاضر أن الوحدة التي أقامها الملك عبد العزيز آل سعود بنيت بسواعد الرجال الأبطال وبقياد صقر الجزيرة الذي أبلى فيها ومن أجلها بلاءً حسنا.. ثم أثنى على دور الأندية الأدبية بمختلف مناطق المملكة في تنمية وتطوير الحركة الأدبية.. كما أثنى على نادي المنطقة الشرقية الأدبي وأهمية قيامه ببعث تراث المنطقة الأدبي واستقطاب رجال العلم والأدب فيها، وربط هذا التراث بتراث مناطق المملكة عن طريق التعاون.
ثم عالج موضوع المحاضرة من عدة مداخل وهي:
المدخل الأول.. مدخل تاريخي عن التاريخ السياسي والاجتماعي والأدبي والثقافي للمنطقة الشرقية من المملكة في صورته الشاملة وأوضح أن حركة التأليف خارج المنطقة وداخلها
يشير إلى فترات متقطعة من تاريخها.. وهو يعتبر كتاب "تحفة المستفيد" للشيخ محمد آل عبد القادر النواة الأولى لحركة التأليف من داخل المنطقة.. وقبل صدور كتاب "التحفة" المشار إليه آنفًا اهتم كثير من المؤرخين والأدباء والسياسيين ورجال الصحافة أمثال ابن بشر، ولورمير، وبلنريف، وماكي، وتويتشل، وهارسون، وفيدال، وحافظ وهبة، وفؤاد حمزة، والزركلي، ورشدي ملحس، وباجميل، وأمين الريحاني، وعبد الله عريف وغيرهم، وأشار إلى تاريخ منطقة الاحساء "المنطقة الشرقية" حاليًا الذي اهتم به الغربيون، واعتبر المحاضر كتاب "دليل الخليج" لمؤلفه موريمر أهم كتاب وثائقي عنها..
ويقول: "وظلت الأحساء رغم ما أَلَمَّ بها من مآسي بلد النخل، وبلد الجمال والخضرة، وبلد التيه والحيوية والخير والعطاء. إن هذه العبارة في نظري هي مقطوعة شعرية رائعة تختلج في نفس كل مواطن فيها منذ القدم.
ويضيف المحاضر أن جلالة الملك عبد العزيز أرسى دولة حديثة في الجزيرة العربية على ثلاث قواعد:
ـ قاعدة دينية بالحجاز (المنطقة الغربية)
ـ قاعدة سياسية بوسط المملكة.. نجد
ـ قاعدة اقتصادية بالأحساء (المنطقة الشرقية)
وأن هذه القواعد تدار من قبل رجال مخلصين على رأسهم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله.
وتمحورت محاضرته عن القاعدة الأخيرة وهي القاعدة الاقتصادية في منطقة الاحساء(المنطقة الشرقية).
وهذا هو المدخل الثاني إلى موضوع المحاضرة وقد استبعد من محاضرته ثلاثة مجالات
ـ المجال الأول.. العملية السياسية البترولية.
ـ المجال الثاني.. العملية الاقتصادية البترولية.
ـ المجال الثاث.. العملية القانونية البترولية.
ثم ركز المحاضر على "أدبيات البترول" موضوع المحاضرة .. مبتدءًا بشعر عذب جميل للشيخ عبد اللطيف بن عبد الله الجعفري.. وهو شعر عامي شعبي الذي يقول فيه موضحًا قدوم الشركة لانطلاقة المجتمع في آفاق رحبة من الرخاء.
بِوَسْطِ الْبَرَاحهْ ضُرِبْ ذَا "التِّيلْ" ..... زَمْرٌ بِلَنْدَنْ تِسِمْعُونَـْه
جَاتِ الشِّرِيكَهْ تَجِرِّ "الرِّيلْ ..... وَالْبَرْ كُلّْهْ يَحَفْرُونَـهْ
تِجْرِي الْمَعَادِنْ سِواتِ السَّيـلْ ..... بِوِسْطِ الْمَكَــايِنْ يِصَفُّونَـْه
عِقْبِ السَّواحِلْ ثِيَابِ "الْوِيـلْ" ..... وِتَوَالْ شَعْـٍـر يِمْشُطُونَــهْ
يَا أَهْلِ الْجَزِيرهْ دُقُّــو الْهَيـلْ ..... وَذَاكِ الْفَقِـْر مَا عَادَ تَطْرُونَـْه
والألفاظ: "التيل" هي التلغراف، و "الريل" هو القطار، "والويل" هو قماش رقيق ناعم غالي الثمن، و"السواحل" هو قماش خشن يستخدم الآن للأكياس الخاصة بالدقيق. ويوضح المحاضر في هذه القصيدة وضعين هامين هما:
1 ـ التحولات التي طرأت على البنية السكانية للمنطقة.
2 ـ تأثيرات العملية البترولية بكافة عناصرها وأطرافها وأهدافها وقواعدها على السلوك النمطي لأفراد مجتمع هذه المنطقة.
ويقدر المحاضر أنه رغم التحولات والآثار التي تركها انتاج البترول في هذه المنطقة وفي مجتمع المملكة.. تظل حقيقتان هامتان هما:
الأولى ـ ثبات العقيدة الإسلامية في نفوس أفراد مجتمع هذه المنطقة ورسوخها وذلك على الرغم من احتكاكهم قبل غيرهم من أفراد مجتمعات المملكة بالعمالة الأجنبية الوافدة من شتى أنحاء الدنيا.
الثانية ـ هي محافطة أفراد هذا المجتمع على قيمهم العليا ذات الطبيعة العربية الاسلامية.
وتمحور مجال "أدبيات البترول" لدى المحاضر في بعدين:
ـ اجتماعي
ـ ثقافي
وتناول الموضوع من خلال هذين البعدين وهذا هو المدخل الثالث إلى الموضوع الذي فصل معالي المحاضر القول فيه ليوضح النهضة السعودية والتقدم والازدهار في ميدان الاقتصاد، وميدان الاجتماع، وميدان التعليم، ثم انتشار دور الثقافة من أندية ومكتبات وغيرها.
ثم حث معاليه على استجلاء المخزون الادبي المطمور في المنطقة.. وحَمَّلَ النادي الأدبي مسئولية ذلك.
ويحدثني بعض الحاضرين لهذه المحاضرة بأنها كانت بداية رائعة لموضوعات تتناول "أدبيات البترول" ينبغي أن نستحث خطاها إلى قاعات المحاضرات في النادي بالشرقية وغيره من الأندية.. فإن محاضرة واحدة لا تعطي هذه الأدبيات البترولية حقها التي تتعدد أبعادها ومناحيها.. والتي ينبغي أن يسهم فيها رجال الأدب والفكر والمختصون.
إن محاضرة معالي الدكتور محمد الملحم وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء كانت وستظل حافزا لأبناء المنطقة في مواصلة البحث في " أدبيات البترول" .
تحية لمعالي المحاضر وتحية لنادي المنطقة.
والله من وراء القصد.
|
|