|
المحاضرة
|
محاضرة بمهرجان هجر الثقافي الثاني |
|
|
موقع المحاضرة : |
جمعية الفنون والثقافة |
|
تاريخ المحاضرة : |
1421هـ |
|
شاهد واستمع : |
|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله والصلاةُ والسلامُ على رسول الله وآله وصحبه.
صاحبَ السمو الأميرَ بدر بن محمد بن عبدالله بن جلوي آل سعود
محافظَ محافظةِ الأحساء
سعادةَ الأستاذ عبدالرحمن بن علي المريخي مديرَ الجمعيةِ العربية للثقافة والفنون السعودية ـ فرعَ الأحساء
السادةَ الحضورَ
السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته، وبعدُ:ـ
أعجزُ عن أن أبوحَ عن بالغِ سروري مهما وهبنيَ اللهُ من بلاغةِ الكلامِ عندما علمتُ أن "هَجَرَ"، هذا الأسمُ المحببُ إلى النفس يتوج اسمَ هذا المهرجان.
(هَجَرُ) اسمٌ تاريخيٌّ ذا مدلولٍ جغرافيٍ لكلِ الساحلِ الغربي للخليج العربي. لذا ليس صحيحاَ ما يقالُ إِنه مجردَ إسمٍ لبلدةٍ هي "قصبةُ الأحساء" كما قال "ياقوت الحموي" فحسبُ. والصحيحُ هو أن "هَجَرَ" رغم كونهِا بالمعنى الجغرافي الضيق اسمٌ لبلدةٍ إلاَّ أنه بعد اندثارِ هذهِ البلدةِ صارت "هَجَرُ" رمزاً لمنطقةٍ جغرافيةٍ متراميةٍ الأطرافِ على الساحل الغربِي للخليج العربي، وهيي الآن "المنطقة الشرقية" للمملكة العربية السعودية. وأكثرُ من هذا، فإن هذا الإسمَ وإن كان يعني على مرِّ العصورِ منطقةً جغرافيةً معينةً إلاَّ أنه أصبحَ مصدرَ إلهامٍ لشعراءِ المنطقةِ المذكورة، وبالأخص المتأخرين الذين يتفاخرونَ بذكرِ (هَجَرَ) في أشعارهِم سواءاً منه شعرُ الغزلِ أو الحماسِ أو الوصفِ. بل وأكثرُ من هذا صارت (هَجَرُ) عند هؤلاءِ الشعراءِ رمزَ الوطن. رمزَ الأم الحنون. رمزَ العطاء. رمزَ الخير. وَرمزَ الولاء. وأكثرُ من هذا صارتِ "هجرُ" عندهم الوطنَ نفسَه. وحبُّ الوطنِ، كما ورد في الأثر، من الإيمان.
على سبيل المثالِ، لا الحصرِ، يقولُ الشيخ "عبدالله آلُ عبدِالقادر":ـ
لَقَدْ غَادَرْتُ فِي (هَجَرٍ) فُؤَادِي ..... وَإِنْ أَمْسَيْتُ فِي بَلَدٍ سِوَاهَا
بِهَا أَهْلِــي وَجِيَرانِي وَصَحْبِي ..... سَقَاهَا اللهُ مِنْ بَلَدٍ سَقَاهَا
ويقولُ الشيخ "عبدالرحمن بن عبدالله العمير" في قصيدةٍ لهُ منشورةٌ في كتابِ "هزارِ الأحساءِ وبلبلِها الغريدِ" عن "هَجَر":ـ
قَدْ سُمِّيَتْ هَجَرٌ لِتَبْقَى هِجْرَةً ..... لِلْوَافِدِينَ وَمَنْ لَهَمْ إِتْــيَاءُ
ويقولُ "الشيخ "علي آلُ رمضان الْخُزَاعيُّ" في مطلعِ قصيدةِ له منشورةٌ في كتابِ "هزارِ الأحساءِ وبلبلِها الغريدِ":ـ
أُهَيْلَ النِّيَاقِ الْهُوجِ شَدَّتْ رِحَالَهَا ..... إِلَى (هَجَرٍ) وَالْقَلْبُ يَهْفو إِلَى (هَجْرِ)
ويقولُ الشاعرُ "عبداللطيف أبوسعد":ـ
أَيْقَنْـتُ يَا (هَجْرُ) أَنِّي مُغْرَمٌ دَنِفٌ ..... إِذْ كَادَ قَلْبِي مِنَ الأَشْوَاقِ يَنْخَطِفُ
ويقولُ "أبوسعد" كذلك:ـ
(هَجَرٌ) هِيَ الرُّوحُ وَالدّنُيْاَ لَهَا جَسَدٌ ..... هَتَّانَةٌ مِنْ نَدَاهَا الْكَوْنُ يَعْتَرِفُ
ويقولُ الشيخ "محمد بنُ علي آل عبدالقادر"ـ
بِلاَدِيَ (هَجْرٌ) لاَ تُقَابَلُ بِالْهَجْرِ..... فَإِنِّي أَرَى عَيْنَ الْحَيَاةِ بَهَا تَجْرِي
جِنَانٌ وَأَنْهَــارٌ تَفِيضُ بِكَوْثَرٍ..... يَمُرُّ سَرِيْعاً فِي حَدَائِقِهَـا الْخُضْرِ
وَإِنَّ لَهَا فَوْقَ الْجَمَالِ زِيَـادَةٌ ..... تَفَجٌّرُ بَتْرُولٍ أَعَزُّ مِـــنَ التِّبْرِ
ويقولُ الشاعر "محمد بن عبدالله آل ملحمِ في قصيدةٍ له:ـ
يَا نَاقِلَ الْمَاءِ تُهْدِيهِ إِلَى (هَجَرٍ) ..... مَا نُلْتَ أَجْراً بِهِ أَوْ رُمْتَ إِحْسَانَا
ويقولُ "ابنُ ملحمِ" في إحدى قصائده:ـُ
أَيَا (هَجَرُ) الْعَزِيزَةِ حُزْتِ حُباً ..... عَمِيقاً حَــلَّ مَا بَيْنَ الْجُنُوبِ
ويقولُ "ابنُ ملحمِ" في قصيدةٍ أخرى كذلك:ـ
ألاَ فَالدُّنَا يَا حَسَا ذِكْرِيَاتٌ ..... وَمَنْ لَكِ يَا (هَجْرُ) لاَ يَذْكُرُونْ
ويقولُ الشيخُ "خليفة بن عبدالله آل ملحم" في قصيدةٍ له:ـ
بَيْنَمَا كُنْتُ "بِهَجْرٍ" مُنْعِماً .....نَائِياً عَنْ كُلِّ هَمٍٍّ أَوْ كَدَرْ
ويقولُ "عباس مهدي خزامِ" من أدباءِ القطيف:ـ
مَا أَجْمَلَ النَّخْلَ فِي وَادِيكَ يَا (هَجَرُ) ..... يَغْفُو عَلَيْهَا الرَّبِيعُ الْحَالِمُ الْعَطِرُ
بِهَـــــا تَدَلَّتْ ثُرَيَّاتٌ مَذَهَّبَةٌ ..... كَأَنَّ أَلْوَانَهاَ الْيَاقُوتُ وَالـدُّرَرُ
وهكذا ظلت "هَجَرُ" في عالم الشعر بلدَ الإلهامِ، بلدَ العطاءِ، بلدَ الوفاء، وبلدَ الولاء.
لهذا كلهِ إننيِ أُحييِّ "الجمعيةَ العربيةَ السعودية للفنونِ والثقافةِ ـ فرعَ الأحساء" على هذا الاختيارِ الموفقِ الجميلِ ألاَ وهو تتويجِ هذاَ المهرجانِ، مهرجانُ العلمِ والثقافةِ والفنِ، بإسمِ (هَجَر). وحينما استعرضتُ أوجهَ نشاطِ هذهِ الجمعيةِ الشابةِ في هذه الأيامِ عادت بي الذكرياتُ إلى أيامِ الشبابِ (أي منذُ أكثرِ من أربعة عقودٍ من الزمن) حيث كانت أوجهُ النشاطِ المتعلقِ بالآدابِ والفنونِ منحصرةً بصورةٍ شاملةٍ فيما كانت تقوم به "مدرسةٌ ابتدائيةٌ" هي المدرسةُ التي "كانت أشبهَ بالجامعة". كان بها نادٍ أسبوعيٌِ تُعرضُ فيه مسرحياتٌ هادفةٌ، إلى جانبِ الْخُطَبِ والأناشيدِ ذاتِ الطابعِ الوطنيِ والدينيِ والتوعويِ. وكم كنتُ أتمنى (الآن) لو كانت تلك المسرحياتُ مسجلةً ومحفوظةً، ولكن نظراً لعدم تيسرِ وسائلِ التقنيةِ [مثل ما هو متوفرٌ في أيامِنا المعاصرةِ] قد حال بالطبع دون المحافظةِ على هذهِ الموروثاتِ.
يقولُ مديرُ "الجمعيةِ العربيةِ السعودية للثقافةِ والفنونِ ـ فرعِ الأحساء" الأستاذُ "عبدُالرحمن المريخي" وهو يتناولُ هذا المهرجانَ تحت عنوانِ "بصماتٌ مؤثرةٌ" ما يلي:ـ يزخرُ تاريخُ كلِّ أمةٍ من الأمم بعددٍ حافلٍ من المبدعين، وتظهر تجلياتُهم أكثرَ تفاعلاً فيما تركوا من بصماتٍ مؤثرةٍ في مختلفِ أنماطِ حياتهِم الثقافيةِ والفكريةِ … وبقدرِ هذا التجلِّي الذي يتسعُ ويشملُ همومَ الإنسانِ وحياتَهُِ، فإن المبدعَ وهو يتمثلُ هذه المعاناةَ تجدهُ يصبح أشدَّ اهتماماً للِمُتلقِّي، وينشأُ ارتباطٌ وثيقٌ بينهما، وبالمقابل يصبحُ هذا التواصلُ حتمياً ... ونحن كرافدٍ ثقافيٍ نساهمُ في توطيدِ هذهِ العلاقةِ، ونعترفُ بضرورتِها، ونسعى نحو تعزيزِ مثاليةِ الْمبُدعِ في مُخَيِّلَةِ الْمُتَلقِّي، لذلك لا مناصَ مطلقاً من هذا التكريمِ الذي يُفضِي إلى اعترافٍ جمٍ بأهميةِ هؤلاءِ الروادِ الْمُبْدِعِين لدى الْمُتَلقِّي من جانبٍ، ومؤسساتٍ الثقافةِ من جانبٍ آخر."
أودُّ، وأنا أقفُ أمامَ الصفوةِ من مُثَقَّفِي هَجَر، أن أقولَ بإسمِ كلٍ منْ:ـ (الشيخِ الوالدِ "عبدِاللهِ بنِ عبدِالرحمنِ الْمُلا"، والشيخِ "جوادِ الرمضان "، وأديبُ الأحساءِ الكبيرِ الأستاذِ "عبدُاللهِ بنِ أحمدِ الشباط"، والفنانِ التشكيليِّ أحمد المغلوث، والفنانُ التشكيليُّ عبدُالحميد البقشي وبالأصالةِ عن نفسي) أودُّ أن أقولَ للأستاذِ "المريخي"، وبكلِ تواضعٍ، أنكم في مهرجانِ هجرَ الثقافيِّ "الثاني" قد ضربتُم عرضَ الحائطِ بمقولةِ مشهورةٍ:ـ أن مغنيةَ الحيِّ لا تُطرب، وأن زامرَ الحيِّ لا يُطرب. لقد رفعتُم صوتَكُم في الجمعيةِ العربيةِ للثقافةِ والفنونِ مع زملائِكم منشدين ومرددين في ظلال نغماتِ شدوِ نخيلِ هَجَرٍ وربوعِها ومغانِيها مقولةَ بديلةَ هي:ـ أن مغنيةَ الحيِّ تُطرب، تُطرب، تُطرب، وأن زامرَ الحيِّ يُطرب، يُطرب، يُطرب.
التكريمُ يبدأُ، أولاً، من البيت. و"الجمعيةُ العربيةُ السعوديةُ للثقافةِ والفنونِ ـ فرعُ الأحساء" هي بيتُ الثقافةِ الأصيلِ في محافظةِ الأحساء. ولأن التكريمَ يبدأُ من هذا البيت، فهنا موطنُ الأصالةِ. موطنُ الوفاءِ. وموطنُ العرفانْ.
وبقيَ ليَ "كلمة"ٌ وَ"مِسكُ ختامْ".
أما "الكلمةُ" فهيَ أنَّني، باسمِ الروادِ المبدعينَ المكرمينَ وبالأصالةِ عن نفسي، أودُّ أن أعبرَ عن جزيلِ الشكرِ والإمتنانِ لكلِّ الذينَ باركُوا ورعُوا هذا المهرجانَ وهم:ـ
صاحبُ السموِّ الملكيِ الأميرُ سلطانُ بنُ فهدِ بنُ عبدِالعزيز الرئيس العام لرعاية الشباب وسموُّ نائبهِ
صاحبُ السموِّ الأميرُ بدرُ بنِ محمدِ بنُ عبدِالله بن جلوي آل سعود محافظ محافظة الأحساء.
سعادةُ الأستاذِ الأديبِ محمد بن أحمد الشدي رئيس مجلس إدارة الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.
وسعادةُ الأستاذِ عبدُالرحمن بن علي المريخي مدير الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون ـ فرعُ الأحساءِ وزملاؤُه.
أمَّا مسكُ الختامِ فهيَ أبياتٌ شعريةٌ معبرةٌ لأحدِ أدباءِ "هَجَر". وهو أستاذُ الأدبِ العربيِ بمعهدِ الأحساءِ العلمِي "حسن بن عبدالرحمن الحليبي". والأبياتُ تعبرُ عن أحوال "هَجَرَ" في الفترة التي كنتُ فيها طفلاً وبعدما شببتُ عنِ الطَّوقِ.
فِي أَرْضِ "هَجْرٍ" تُحِيطُ النَّاسَ نَعْمَاءُ .... فَالْعَيْشُ رَغْدٌ وَرَوْضُ الأَرْضِ أَحْسَاءُ
قُمْ سَرِّحِ الطَّرْفَ فِي الأَحْسَاءِ تُبْهِجَهُ .... وَرَوِّضِ النَّفْسَ إِنْ نَابَتْكَ بَلْوا ءُ
تَرَ الْبَسَاتِينَ وَالأَشَجَارُ مُشْرَعَةٌ ..... تُنْسَى بِمَنْظِرِهَا "هِنْدٌ" وَ"أسْمَاءُ"
وَكُلَُ أَرْضٍ بِهَا مِنْ سُنْدُسٍ فُرِشَتْ ..... وَكُلُّ أَرْضٍ بِهَا فيَحْاءُ غَنَّاءُ
يُسَبِّحُ الطَّيْرُ فِيهَا عِنْدَ غَدْوَتِهِ ..... وَلِلتَّسَابِيحِ تَشْنِيفٌ وَإِشْـفَاء
وَلِلنَّسِيمِ اعْتِلاَلٌ فِي جَوَانِبِهَا ..... كَأَنَّهَا جَنًّةٌ ِللهِ عَلْيَاءُ
تُرَاُبَها ذَهَبٌ حَصْبَاؤُهَا دُرَرٌ ..... خَيْرَاتُهَا جَمَّةٌ وَالْخُلْدُ مِعْطَاءُ
وماؤُهَا الشَّهْدُ يَجْرِي فيِ مَسَالِكِهِ ..... كَأَنَّهُ فِضَّةٌ فِي النُّصْعِ بَيْضَاءُ
يَشْفِي الْعَلِيلَ الذِّي زَادَ الْمُصَابُ بِهِ ..... وَفِيهِ وَاللهِ لِلظَّمَآنِ إِرْوَاءُ
أَرْضٌ تَفِيضُ بِهَا الخْيَرْاتُ عَامِرَةٌ ..... وَتَزْدَهِي وِهْيَ جَنًّاتٌ وَأَفْيَاءُ
مَا قَدْ أَظُنُّ سِوَى الأَحْسَا يُعَوِّضُنَا ..... ذَي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْخُلدِ عَصْمَاءُ
وَالرُّوحُ فِيهَا مَعَ الرَّيْحَانِ أَلْوٍيَةٌ ..... وَالأَهْلُ وَالصَّحْبُ أَبْنَاءٌ وَآبَاءُ
أُمُّ النَّخِيلِ التِي عَمَّتْ مَنَافِعُهَا ..... وَفَضْلُهَا الْيَوْمَ لاَ يَحْوِيهِ إِحْصَاءُ
فَكَيْفَ لاَ تَبْهَرُ الأَبْصَارَ نَظْرَتُهَا ..... وَكُلُّ شَئٍ حَوَتْهُ فِيهِ سَرَّاءُ
فَاهْتِفْ وَرَدِّدْ لَهَـا اِسْماً بِهِ عُرِفَتْ ..... وَقُـْل تَعِيشِينَ في الآمَـاقِ "أَحْسَاءُ"
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نص الكلمة
التي ألقاها معالي الدكتور/محمد بن عبداللطيف آل ملحم
باسم الرواد المبدعين المكرمين في مهرجان هجر الثقافي الثاني
مساء يوم الأثنين الثالث من شهر رجب عام 1421هـ
بمقر الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون ـ فرع الأحساء.
------------------
المحاضرة نشرت في جريدة اليوم:
العدد:10043 تاريخ النشر: 13/12/2000م
تجدها مفصلة في ركن المقالات. |
|