المحاضرة
|
قصيدة رثاء الأندلس في افتتاح ندوة الأندلس: قرون من التقلبات والعطاءات |
|
|
موقع المحاضرة : |
فندق انتركونتنتال - الرياض |
|
تاريخ المحاضرة : |
15/05/1414هـ |
|
شاهد واستمع : |
|
|
|
نص الكلمة وقصيدة "رثاء الأندلس" التي ألقاها معالي وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء الدكتور محمد بن عبداللطيف آل ملحم في افتتاح ندوة "الأندلس: قرون من التقلبات والعطاءات" المنظمة من قبل "مكتبة الملك عبد العزيز العامة" مساء يوم السبت 15/5/1414هـ الموافق 30/10/1993هـ في قاعة الملك فيصل للمؤتمرات بالرياض
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
صاحب السمو الملكي الأمير بدر بن عبدالعزيز آل سعود
نائب رئيس الحرس الوطني،
الإخوة الكرام،
السلام عليك ورحمة الله وبركاته،
كنتُ قد نشرتُ في إحدى صحفنا المحلية مقالة بعنوان "حديث الأصم الأبكم" جاء في مطلعها :
أنا الكتاب ...! وأنت تعرف يا ـ صديقي ـ من انا!
إذا كانت المرناة ووسائل التسلية الأخرى قد باعدت بيني وبينك، فذلك، على كل حال، إلى حين.
حينما تضعني بالرف ـ يا صديقي ـ أجد الكآبة تحيط بي لبعدي عنك، كما أجد نفسي في ظلمات بين دفتين ..
ورغم هذا لا أتألم، لا أشكو، ولا أتضجر .. بل أظل صابرًا صامتًا حتى يصلني الفرج حينما تدعوني إليك مرة أخرى.
حينئذ آتيك طائعًا ، مسرورًا ، قرير العين.
إن كنتَ ـ يا صديقي ـ جاهلاً، في مكنتي إزالة عار الجهل عنك.
وإن كنت ـ يا صديقي ـ عالمًا، فمهمتي، لو طالعتَ صفحاتي، تذكيركَ بما تعلمُه، ومن ثم تزويدُكَ بما لا تعلمُه.
وإن كنت ـ يا صديقي ـ شاعرًا فبين دفتي من الخيال ما يوسعُ أفقك لتزيد من إبداعك.
أنا الكتاب: قريبٌ منك ساعة النداء. وأكثر من هذا، إذا تصفحتَني تحدثتُ إليك بكل صدقٍ وأمانةٍ، وشاني معك هو شأن المثل القائل: صدَيقَك من صدَقك، لا من صدَّقك.
أنا الكتاب: واسمح لي ـ يا صديقي ـ إذا كنتُ قد خرجت عن صمتي الأزلي لأحدثكَ، وأستمعُ إليك.
أنا لا يهمني ما شُغِلْتَ به ـ يا صديقي ـ من مظاهرَ حديثةٍ عديمةِ الفائدة. ستعود لي مهما طال الزمن لأنني جامعُ الحكمة، ومستودعُ المعرفة، ومخزنُ العلوم. [راجع مقالتي حديث الأصم الأبكم في جريدة اليوم/ص 6، العدد 7192، تاريخ 2/رمضان 1423هـ].
الإخوة الكرام. هكذا يتحدَّث الكتاب عن نفسه، وعمَّا يعاني من هجرٍ في أيامنا المعاصرة.
ومع هذا، يجد الكتاب من يواسيه هنا وهناك في عالمنا العربي.
وللمملكة العربية السعودية عناية كبرى بالكتاب، و"مكتبة الملك عبدالعزيز العامة" رمزُ هذه العناية، فهي المكتبة التي تعهَّد برعايتها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد، نائب رئيس مجلس الوزراء، ورئيس الحرس الوطني. ولم يكتف هذا الأمير الجليل برعاية هذه المكتبة، بل آلَى على نفسه أن يجعل منها صرحًا ذا وجودٍ متميزٍ، فكان من سائر أوجه نشاط هذا الصرح العظيم إقامة ندوات علمية قاعدتها الأساسية "الكتاب" .
ومن هذا المنطلق تبنت هذه المكتبة ندوة ـ الأندلس: قرون من التقلبات والعطاءات ـ.
تحية خالصة للمسئولين عن هذه المكتبة الذين ردُّوا ـ كما فعل آخرون في بلادنا وعلى امتداد وطننا العربي ـ للكتاب اعتباره بعد إدراك واع بكيفية الاستفادة منه، وهو إدراكٌ كان ولا يزال من شإنه تعريف الناس بالكتاب وأهميته، والحرص على اقتنائه وقرائته.
واجتماعنا اليوم هو من أجل إحياء ذكرى مجد من أمجادنا السالفة يحتضنه "كتاب" تراثنا المشرق، أَلاَ وهو مجد "الأندلس".
لقد تداعت أصداء هذا المجد مع أصداءِ قصيدة لم تنشر بعد بعنوان "رثاء الاندلس" كنتُ قد فرغتُ من تنقيحها منذ حين، وهي قصيدة تتكون أبياتها من (124) أربعة وعشرين ومائة بيت. والقصيدة للشاعر العظيم / محمد بن عبدالله بن حمد آل ملحم.
ولد الشاعر/ محمد بن عبدالله بن حمد آل ملحم في مدينة الهفوف ـ حاضرة الأحساء، في حوالي عام 1356هـ، وتلقى تعليمه الأولي في مدرسة الأحساء الابتدائية العملاقة، ومن ثم في المعهد العلمي، وبعد تخرجه التحق بكلية الشريعة التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. وعلى إثر تخرجه من الكلية مارس التدريس في مدينة الخبر، وفي مدارس في مدينة الهفوف حتى وافاه الأجل المحتوم في السابع من شهر ذي الحجة عام /1407هــ .
عشتُ مع الفقيد صغيرًا، فيافعًا، فشابًا. ومن ثم افترقنا في سبيل طلب العلم إلى حين. وأتذكَّر أنه بعد ما شَبَّ عن الطوق بَدَتْ عليه ملامح ذكاء حادة مصحوبـة برغبة جامحـة لحفظ الشعر وإنشاده حيث كان ـ يرحمه الله ــ يملك صوتًا جميلاً أخاذًا.
وترك هذا الشاعر ـ بعد وفاته ـ رصيدًا شعريًا ضخمًا من تحبيره في عشرات المجلدات المخطوطة التي لم تر النور بعد. وهي أشعار في حاجة إلى وقتٍ وجهدٍ ومالٍ من أجل تنقيحها.
كان ـ رحمه الله ـ يحبر القصيدة، ومن ثم يحفظها في مكتبته. وعرفتُ سبب ذلك بعد وفاته. كان شاعرنا عازفًا عن الشهرة أو تصنع المظاهر.
وتكرَّم عليَّ ورثة الشاعر من باب الثقة في فسلَّموا لي كل ما خلفه من تراث أمانة عندي.
وإنه لشرفٌ عظيمٌ لي أن أقفَ أمامكم لألقيَ عليكم، وأنتم من صفوةِ رجالِ العلم، وأربابِ القلم، وصناعِ الكلمة الرصينة، بعضًا من شعر محمد بن عبدالله بن حمد آل ملحم.
وقد نشرتُ قصائد لشاعرنا في بعض الصحف المحلية ومنها جريدة "اليوم" الغراء منذ حين. وقال عن شعره مربي الجيل/ الأستاذ القدير/ عثمان الصالح مخاطبا رئيس تحرير جريدة "اليوم" السابق الأستاذ "خليل الفزيع":
"تصل إليَّ الجريدة (اليوم) وفيها ما لَذَّ وطاب من فصيح القول وجميل الكلمات .. وطابَ لي أن أشكركم شخصيًا على المتابعة المستمرة لنشر مصطفى الشعر ومختاره للشاعر ـ محمد بن عبدالله بن حمد آل ملحم .. إن هذا الشاعر المجيد من الشعراء الذين لهم شاعريةٌ خصبةٌ، وملاحم معروفة، ولكن شهرته لم تتعد مكانها .. وبنشركم ذلكم تباعًا من ديوانه يعطي عن الملحم "نوعية " من الإعلام عنه، والتنبيه على ما تتحلى به قصائده من بيان وبلاغة في ديوانه .. وإذا كان لديكم ديوان مطبوع له فأودُّ إمدادي به، وإسعادي بالتفضل به، أو إشعاري عن المكتبة التي يباع فيها لأجتنيه منها، لأن شعره لتَبدو عليه السهولة واليسر". [راجع عثمان الصالح، عبارات .. وملاحظات، جريدة اليوم، العدد 6210 في 22 ذي القعدة/1410هـ].
وزار المملكة العربية السعودية منذ سنوات معالي الأديب، والمربي، والمؤلف، والسياسي المخضرم، الأستاذ/ عبدالهادي أبو طالب المستشار الخاص لجلالة الملك الحسن الثاني ملك المملكة المغربية، وكنت أرافقه في هذه الزيارة، ودعوته لتناول طعام العشاء بمنْزلي، فلبَّى الدعوة، ودعوتُ على شرفه لفيفًا من الأصدقاء من رجال الأدب والتربية. وخلال أحاديثنا في تلك الأمسية قرأتُ على الحاضرين أبياتًا من "رثاء الأندلس"، وأثناء القراءة أوقفني معالي الأستاذ/ أبو طالب وطلب مني تكرار البيتين التاليين:
يا لَيْتَ أَنْدَلُسَا بِالْمَغْرِبِ الْتَحَقَتْ ..... وَأَصْبَحَتْ ضِمْنَهُ طُولَ الأَحَايِين
وَلَـمْ يسْيطِرْ عَلَيْهَا الْكُفْرِ فَي زَمَنٍ ..... وَلاَ لَـهُ خَضَعَتْ حِينًا مِـنَ الْحِينِ
وبعد الانتهاء من قراءة الأبيات طلب منِّي معالي الأستاذ/ أبو طالب نسخة من القصيدة لينشرها بالمملكة المغربية فاعتذرت له إذ كانت القصيدة آنذاك تحت التنقيح.
والقصيدة من بحر البسيط ـ وهي كما سبق القول ـ تتكون من (124) أربعة وعشرين ومائة بيت. ويدور موضوعها حول محاور ثلاثة:
ـ ـ التذكير بأمجاد لنا في غرب أوروبا الغربية ،
ـ ـ وحَثِّ همم العرب المسلمين للحفاظ على ما بقي لهم من أمجاد،
ـ ـ والتمسك بعقيدة التوحيد باعتبارها ـ وكما كانت في الماضي ـ هي صمام الأمان لحاضر ومستقبل الأمة العربية الإسلامية.
يقول الشاعر محمد بن عبدالله بن حمد آل ملحم في "رثاء الأندلس":
يَا بُلْبُلَ الرَّوْضِ:كَمْ بِالشَّدْوِ تُشْجِينِي؟ .... ِللهِ دَرُّكَ مِنْ شَادٍ يُوَاسِينِي!
تُرَجِّعُ اللَّحْنَ مُوسِيقَى مُرَقَّقَةً ..... مِنْ غَيْرِ مَا آلَةٍ بَيْنَ الأَفَانِينِ
وَتَنْظِمُ الشِّعْرَ مَوْزُونًا عَلَى مَهَلٍ ..... شِعْرًا رَقِيْقَ الْحَوَاشِي غَيْرَ مَلْحُونِ
لاَ غَرْوَ يَا بُلْبُلِيْ: كَمْ أَنْتَ فِي مَرَحٍ ..... تُمْسِي وَتُصْبِحُ مَا بَيْنَ الْبَسَاتِينِ؟
أَمَّا أَنَا فَجَوَى الأَيَّامِ لَوَّعَنِي ..... وَهَمُّ "أَنْدَلُسٍ" بِي بَاتَ كَافِينِي
يَا لاَئِمِي! لاَ تَلُمْنِي إِنَّنِي كَمِدٌ! ..... جُرْحِي عَمِيقٌ وَمَا لِي مَنْ يُدَاوِينِي؟
إِنِّي تَذَكَّرْتُ تَارِيْخِي "بِأَنْدَلُسٍ" ..... فَسَاحَ دَمْعِيَ بِالذِّكْرَى"كَسَيْحُونِ"
عُصُورُنَا الغُرُّ لاَ تُنْسَىْ "ثَمَانِيَةً" ..... مِنَ الْقُرُونِ حَكَتْ أَزْمَانَ "هَارُونِ"
قَدْ شِدْتُ فِيَهَا حَضَارَاتِي وَمَكْتَبَتي ...... وَجَامِعَاتِي وَأَسْوَاقِي وَتَمْدِينِي
بَنَيْتُ فِيْهَا تُرَاثًا غَيْرَ مُنْدَرِسٍ ...... أَوْجَدْتُ فَنِّي وَأَوْزَانِي وَتَبْيِينِي فَدُرُّهُ
"عِقْدِي الْفَرِيدُ" حَوَى الأدَابَ أَجْمَعَهَا ..... فَوْقَ تَقْدِيرٍ وَتَثْمِينِ
"وَنَفْحُ طِيْبِي" حَوَى الرَّيْحَانَ أَجْمَعَهُ ..... غُصْنِي رَطِيبٌ وَغَضٌ مَنْ يُحَاكِينِي؟
وَجَامِعِي ـ جَامِعُ الأَحْكَامِ ـ لَيْسَ لَهُ ..... بَيْنَ التَّفَاسِيرِ مِنْ نِدٍّ يُدَانِينِي
وَجَامِعَاتِي جَمَعْنَ الْعِلْمَ أَجْمَعَهُ ..... قَدِ ازْدَهَتْ فِي رُبَا قُطْرِي بِتَمْكِينِ
فَذِكْرَيَاتِي مَجِيدَاتٌ يُرَدِّدُهَا ..... عَلَى فَمِ الدَّهْرِ تَارِيخُ "ابْنِ خَلْدُونِ"
شَدَا "ابْنُ حَمْدُونَ" لِلأَيَّامِ نَغْمَتَهَا ..... وَيعْزِفُ اللَّحْنَ لِلدُّنْيَا "ابْنُ زَيْدُونِ"
يَا مَوْكِبَ الْمَجْدِ سِرْ بِي فِي قَوَافِلِهِمْ ..... فَالْوَجْدُ يَنْشُرُنِي حِينًا وَيَطْوِينِي
وَخُطَّ قِصَّتَهُمْ مِنْ أَحْرُفٍ ذَهَبٍ ..... فَلَنْ تُوَفِّيَهُمْ حَقَّا بِمَضْمُونِ
يَا قِصَّةَ الأَمْسِ وَالتَّارِيخُ يُفْرِحُنِي ...... حِينًا وَفِي أَكْثَرِ الأَحْيَانِ يُبْكِينِي
سَلِ "ابْنَ جَهْوَرَ" كَمْ كَانَتْ مَجَالِسُةُ؟ ..... بِالْعِلْمِ تَزْهُو تُضَاهِي عَصْرَ "مَأمُونِ"؟
إِنِّي تَذَكَّرْتُ أَمْجَادِي فَأَرَّقَنِي ..... يَا قَوْمُ ذِكْرَاهُمُ وَالذِّكْرُ يَكْوِينِي
وَعَنْ "بَنِي أَحْمَرٍ" مَاذاَ هُمُ فَعَلُوْا؟ ...... هَلْ فِي الْمَجَامِعِ تِلْكُمْ مَنَ يُنَبِّينِي؟
أَقْرِ السَّلامَ وَسَائِلْ عَنْ "طُلَيْطِلَةٍ" ..... إِذاَ أَطَلَّ سَنَا الذِّكْرَى وَعَزِّينِي؟
وَحَيِّ "نَاصِرَةً" وَاسْأَلْ مَرَابِعِهَا ..... عَنْ "نَاصِرٍ" لِحِمَاهَا غَيْرِ مَوْهُونِ؟
وَعَنْ مَنَاظِرِ حُسْنٍ ظَلَّ مَظْهَرُهَا ..... مُعَبِّرًا عَنْ مَعَالِينَا وَتَمْدِينِ؟
تِلْكَ الْمجَالِسُ فِي أَكْنَافِهَا ازْدَهَرَتْ ..... بِالرَّائِدِينَ رِجَالِ الْفَضْلِ والدِّينِ
كَانَتْ مُلُوكُ "بَنِي الإِفْرَنْجِ" تَطْلُبُ مِنْ ..... مُلُوكِنَا مِنْحَةَ التَّعْلِيمِ فِي هُونِ
كَأَنَّمَا حُلُمُ التَّارِيخِ يَجْمَعُنِي ..... تَحْوِي بَسَاتِينَهُ كُلَّ الأَفَانِينِ
اللهُ أَكْبَرُ يَا أَيَّامَ "أَنْدَلُسٍ"..... بِحَيِّهِمْ فَأُحَيِّي كُلَّ مَيْمُونِ!
يَا نَسْمَةَ الْبَانِ عُوجِى بِالْحِمَى سَحًًَ ..... كَمْ لِي بِذِكْرَاكِ مِنْ لَحْنٍ يُغَنِّينِي؟
فَالْعِلْمُ فِي كُلِّ فَنٍّ كَانَ مُزْدَهِرًا ..... وَعَرِّجِى بِالْخُزَامَى وَالْبَسَاتِينِ
سَلِي عَنِ الْقَوْمِ مَنْ بَانُوْا وَمَنْ رَحَلُوا ..... لَعَّلَ تَسْآلَنَا عَنْهُمْ يُوَاسِينِي!
وَرَجِّعِي لَحْنَ ذِكْرَاهُمْ عَلَى أُذُنِي ..... فَإِنَّ نَغْمَةَ ذَاكَ اللَّحْنِ تُشْجِينِي
عَنِ "الطَّوَائِفِ" كَمْ ضَمَّتْ مَجَالِسُهُمْ ...... مِنَ الطَّرَائِفِ عَلَّ الذِّكِرَ يُسْلِينِي؟
عَنِ الْحَضَارةِ وَالْحَمْرَا وَمَنْشَئِهَا ..... وَعَنْ رِجَالٍ حَبَوْهَا كُلَّ تَحْسِينِ فَإِنَّهُ
وَسَلْ مَدَاخِلَهَا عَنْ شَأْنِ دَاخِلِهَا ..... صَقْرُهُمْ عَبْرَ الأَحَايِينِ
وَأَيْنَ "نَاصِرُهَا" فِي كُلِّ مُعْتَرِكٍ ..... يَقُودُهُ بِالْغَطَارِيفِ الْميَـَامِينِ
مَرْحَى بِجَامِعِكِ الْفَنِّيِّ "أَنْدَلُسٍ" ..... بَيْنَ الْجَوَامِعِ فِي فَنٍّ وَتَلْوِينِ
مَرْحَى بِهِ وَنُقُوشٍ فِيهِ خَالِدَةٍ ..... مُشَكَّلاتٍ حَوَتْ كُلَّ الأَفانِينِ
مَرْحَى بِمِنْبَرِهِ يَرْقَى الْخَطِيبُ بِهِ ..... فَيُسْمِعُ الكُلَّ مِنْ بُعْدٍ وَمِنْ دُونِ
وَلَيْسَ مِنْ آلَةٍ فِيهِ يًحَرِّكُهَا ..... لَكِنَّمَا السِّرُّ فِي أُسٍّ وَتَكْوِينِ
وَمَرْحًَا بِأُسُودٍ غَيْرِ مُؤْذِيَةٍ ..... تُرَقْرِقُ الْمَاءَ فِي صَمْتٍ وَفِي لِينِ
حَتَّى إِذاَ "أَسَدٌ" مِنْهَا تَعَطَّلَ فِي ..... آنٍٍ مِِنَ الآنِِ أَوْ حِِينٍٍ مِِنَ الْحِِينِِ
أَتَوْا إِلَيْهِ بِآلاَتٍ لِتُصْلِحَهُ ..... فِي الْعَصْرِ هَذاَ وَهُمْ فِي أَوْجِ تَمْكِينِ
تَكَسَّرُ "الأَسَدُ" الْمَشلُولُ فِي يَدِهِمْ ..... وَمَا دَرَوْا أَيَّ سِرٍّ فِيهِ مَكْنُونِ!
سِرٌّ تُقِرُّ لَهُ الأَعْدَاءُ مُذْعِنَةً ..... بِجَهْلِهِمْ رَغْمَ تَطْوِيرٍ وَتَمْدِينِ
هَذِي الْحَضَارَةُ مَا كَانَتْ سِوَى مَدَدٍ ..... مِنْهُ تَعَالَى ِلأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ
يَا "طَارِقَ" الْفَتْحِ بِالأَسْمَاعِ خُطْبَتُكُمْ ..... فِي كُلِّ حِينٍ صَدَاهَا غَيْرُ مَمْنُونِ
وَمَوْقِفٌ سَجِّلَ التَّارِيخُ قِصَّتَهُ ..... يَرْوِي الْبُطُولَةَ فِي عَبْرِ الأَحَايِينِ
قَابَلْتَ "لُذْرِيْقَهُمْ" بِالسَّيفِ تَضْرِبُهُ ..... جَرَّعْتَهُ فِيهِ كَأْسَ الْمَوْتِ فِي هُونِ
وَكُنْتَ فَوْقَ مَضِيقٍ ضَاقَ عَنْ شَرَفٍ ..... حَصَّلْتَهُ فِي مَقَامَاتِ الْمَيَامِينِ
عَبَرْتَ فِيهِ إِلَى أَفْيَاءَ "أَنْدَلُسٍ" ..... لاَ لِلْمَنَاظِرِ فِيْهَا وَالْبَسَاتِينِ
عَبَرْتَ ِللهِ تَبْغِي الأَجْرَ مُتَّصِلاً ..... وَكَيْ يَعِيشَ الْوَرَى فِي وَاحَةِ الدِّينِ
وَيَسْتَظِلُّوْا بِظِلِّ الْعَدْلِ تَحْكُمُهُمْ ..... شَرِيْعَةُ اللهِ لاَ جَوْرُ الْقَوانِينِ
وَذَلِكُمْ مَبْدَأُ الإِسْلاَمِ قَامَ عَلَى..... تَحْقِيقِهِ كُلَّ مَبْرُورٍ وَمَيْمُونِ
حُيِّيتَ "مُوسَى" نَصِيرًا فِي مَوَاقِفِهِ ..... "لِطَارِقِ" الْفَتْحِ فِي شَتِّى الْمَيَادِينِ
سَلَكْتَ مَسْلَكْهُ الْعَالِي وَمَنْهَجَهُ ..... فَظَلَّ ذِكْرُكَ مَا بَيْنَ الدَّوَاوِينِ
يَا مَرْحَبًا بِالرِّجَالاتِ الَّذِينَ بَنَوْا ..... مِحْرَابَ مَجْدٍ أَصِيلٍ جِدِّ مَأمُونِ
تَبْقَى عَلَى أُذُنِ الأَزْمَانِ شَاهِدَةً ..... عَلَى عُلاَهُمْ مَدَى الأَيَّامِ وَالْحِينِ
أَهْدِى السَّلامَ إِلَيْهِمْ كُلَّمَا لَمَعَتْ ..... أَسْمَاؤُهُمْ فِي الْوَرَى عَبْرَ الأَحَايِينِ
فَقُلْ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ أَهْلَ "أَنْدَلُسٍ" ..... سَلاَمَ مُحْتَرِقِ الأَحْشَــاءِ مَحْزُونِ
يَا بُلْبُلَ الشِّعْرِ: رَدِّدْ لِلرِّثَاءِ مَتَى ..... هَبَّ النَّسِيمُ فَإِنَّ الذِّكْرَ يُذْكِينِي
رَجِّعْ عَلَى أُذُنِ الْوَادِيْ قَصِيْدَتَهُ ..... إِنْ جِئْتَ "أشْبِيْليَا" رَيْثًا عَلَى هُونِ
وَادٍ كَرِيمٍ تَرَى الأَنْهَارَ جَارِيَةً ..... فِي سَهْلِهِ بَيْنَ رُمَّانٍ وَزَيْتُونِ
وَالْكَرْمُ قَدْ حَفَّهُ شَوْقًا وَظَلَّلهُ ..... مِنَ الْغَزَالَةِ إِلاَّ نُقْطَةَ النُّونِ
حَنَا عَلَى الْقَوْمِ مِثْلَ الْمُرْضِعَاتِ حَنَتْ ..... عَلَى الرَّضِيعِ بِثَدِْيٍ جِدِّ مَيْمُونِ
وَقَاهُمُ نَفْحَةَ الرَّمْضَا وَظَلَّلَهُمْ ..... وَالظِّلُّ يَأْوِي إِلَيهِ كُلَّ مَسْكِينِ
سَلِّمْ عَلَيْهِ وَقَلِّدْهُ الْقِرَيضَ وَقُلْ: ..... عَلَيْكَ مِنَّا سَلاَمٌ غَيْرُ مَمْنُونِ
يَا لَيْتَ "أَنْدَلُسًا" بِالْمَغْرِبِ الْتَحَقَتْ ..... وَأَصْبَحَتْ ضِمْنَهُ طُولَ الأَحَايِينِ
وَلَمْ يُسَيْطِرْ عَلَيْهَا الكُفْرُ فِي زَمَنٍ ..... وَلاَ لَهُ خَضَعَتْ حِينًا مِنَ الْحِينِ
فَإِنَّهَا دُرَّةٌ فِي الْغَرْبِ خَالِدَةٌ ..... سَمَتْ بِهَا دَوْلَةُ الإِسْلامِ وَالدِّينِ
وَأَصْبَحَتْ رَوْضَةَ الآدابِ حَافِلَةً ..... وَدَوْحَةَ الْعِلْمِ تَزْهُو بِالأَفَانِينِ
أَيَّامُهَا الْغُرُّ فِي التَّارِيخِ زَاخِرَةٌ ..... بِأَنْجُمِ الْعِلْمِ فِي كُلِّ الْمَيَادِينِ
تَفَنَّنَتْ فِي رُبَاهَا الشَّاعِرُونَ فَمَا ..... أَحْلَى فُنُونَهُمُ مِنُ كُلِّ تَلْوِينِ
يَا مَرْحَبًا بِرِجَالِ الْعِلْمِ قَدْ ظَهَرُوْا ..... بِمَظْهَرِ الدِّينِ فِي شَكْلٍ وَمَضْمُونِ
يَلْتَفُّ حَوْلَهُمُ الطُّلاَّبُ فِي حِلَقٍ ..... مُنَظَّمِينَ بِشَكْلٍ أَيِّ مَوزُونِ كَالأَرْضِ
تَرَاهُمُ يَنْهَلُونَ الْعِلْمَ فِي شَغَفٍ ..... مِنْ بَعْدِ جَدْبٍ طَالَ فِي الْحِينِ عُقُودَ
كَأَنَّهُمْ فِي سُطُورٍ كُلَّهُمْ جَلَسُوْا ..... دُرٍّ بِجِيدِ الْخُرَّدِ الْعِينِ
تَجَاذَبُوْا بَيْنَهُمْ حُلْوَ الْحَدِيثِ كَمَا ..... هُمُ يَشَاؤُونَ مِنْ كُلِّ الأَفَانِينِ
لِلشِّعْرِ عِنْدَهُمُ مُلْكٌ وَمَمْلَكَةٌ ..... وَلِلْبَيَانِ مَكَانٌ غَيْرُ مَغْبُونِ
أُولَئِكَ النَّاسُ لِلآدابِ قَدْ حَفِظُوْا ..... وَدَوَّنُوْا الْعِلْمَ فِي شَتَّى الْمَيَادِينِ
وَفَرَّعُوْا لِفُرُوعِ الْعِلْمِ أَجْمَعِهَا ..... وَكُلُّ فَرْعٍ لَهُ إِسْمٌ بِتَدْوِينِ
مَا لِي وَلَيْلَى أَصُوغُ الشِّعْرَ مِنْ دُرَرٍ ..... فِيْهَا وَغُرْنَاطَةٌ تَدْعُو أَغِيثُونِي؟
مَا لِي وَلَيْلَى أُحَلِّي جِيْدَهَا دُرَرَاً ..... عُمْرِيِ "وَأشْبِيلِيَا" تَدْعُو أَجِيرُونِي؟
مَا لِي وَلَيْلَى وَ"جَيَّانٌ" تُطَالِبُنِي ..... قَدْ طَالَ أَسْرِي مَتَى أَهْلِي تَرُدُّونِي؟
مَا لِي وَلَيْلَى وَدُنْيَاهَا وَ"قُرْطُبَةٌ" ..... تَقُولُ أَيْنَ بَنُوْ الإِسْلاَمِ يَحْمُونِي؟
مَا لِي وَلَيْلَى أُنَاجِيهَا وَ"مَرْسِيَةٌ" ..... رَسَى عَلْيَهَا الأَسَى تَدْعُوْ أَعِينُونِي؟
وَذِي "بَلَنْسِيَةٌ" طَالَ الأَسَاءُ بِهَا ..... تَقُولُ أَيْنَ حُمَاةُ الْحَيِّ تَفْدِينِي؟
إِنْ تَنْصُروْا اللهَ يَنْصُرْكُمْ مُعَاهَدَةٌ ..... لَمْ يَنْتَقِضْ حِلْفُهَا حِينًا مِنَ الْحِينِ
مَشَى بِهَا "سَعْدُ" فَوْقَ الْمَا وَمَنْ مَعَهُ ..... مِنَ الرِّجَالِ الصَّنَادِيدِ الْمَيَامِينِ
وَ"الْحَضْرَمِيُّ" وَكُلُّ الْجَيْشِ يَتْبَعُهُ ..... لَمْ يَفْقُدِ الْجَيْشُ مَعْهُ أَيَّ مَاعُونِ
فَقَدْ دَعَا "الْحَضْرَمِيُّ" الْبَحْرَ: رُدَّ لَنَا ..... مَا قَدْ أَخَذْتَ فَجَا يَمْشِي عَلَى هُونِ
وَ"عُقْبَةٌ" بِالْمُحِيْطِ الأطْلَسِي وَقَفَتْ ..... أَقْدَامُهُ صُلْبَةً مِنْ غَيْرِ مَا لِينِ
وَقَالَ: لَوْ خِلْتَ خَلْفَ الْبَحْرِ مِنْ مُدُنٍ ..... لَخُضْتُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي الْحِينِ
وَقَالَ: لِلأُسْدِ فِي غَابَاتِهَا أنْتَقِلِي ..... وَلِلأَفَاعِي وَأشْتَاتِ السَّرَاحِينِ
فَنَحْنُ نَمْضِي ِلأَمْرِ اللهِ مِثْلَكُمُ ..... وَالْكُلُّ لِلأَمْرِ يَمْضِي غَيْرَ مَغْبُونِ
فَشُوهِدَتْ تَحْمِلُ الْوِلْدَانَ مُسْرِعَةً ..... فِي الْحَالِ طَيِّعَةً تَمْضِي بِلاَ هُونِ
وَشَيَّدَ "الْجَامِعَ" الْمَعْرُوفَ مَوْضِعَهَا ..... لَمَّا يَزَلْ خَالِداً عَبْرَ الأَحَايِينِ
هَذِي الْكَرَامَاتُ تَكْرِيمٌ لِمَنْ كَرَمُوْا ..... عَلَى الْكَرِيمِ نَدَاهَا غَيْرُ مَمْنُونِ
فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ مِنْهُمُ صُوَرٌ ..... تُضِيءُ فِي سَاكِنٍ مِنَّا وَمَسْكُونِ
هُمُ الْكَواكِبُ إِنْ غَابَتْ كَوَاكِبُهَا ..... لِلنَّاسِ تَهْدِي إِلَى الإِيمَانِ والدِّينِ
حَيِّ الَّذِينَ هُمُ فِي اللهِ قَدْ بَذَلُوْا ..... مَا يَمْلِكُونَ وَلاَ يَرْضَونَ بِالْهُونِ
فَحُبُّهُمْ فِي فُؤَادِي ظَلَّ مُمْتَزِجًا ..... وَفِي ضَمِيرِي وَمَا بَيْنَ الشَّرَايِينِ
أَضْحَتْ مَآثِرُهُمْ فِي الدَّهْرِ خَالِدَةً ..... فَمَنْ يَشِيدُ كَهَاتِيكَ الأَسَاطِينِ؟
مَآثِرٌ تَبْعَثُ الأَيَّامُ جِدَّتَهَا ..... كَأَنَّمَا سَبَقَتْ لِلْعَصْرِ وَالْحِينِ
أَعَادَكِ اللهُ لِلإِسْلامِ ثَانِيَةً ..... يَا أَرْضَ "أَنْدَلُسٍ" مِنْ قَلْبِ مَحْزُونِ
قَالُو: رَثَيْتَ وَمَا قَصَّرْتَ "أَنْدَلُسًا" ..... وَجُرْحُنَا الْيَوْمَ حَيٌّ فِي "فَلَسْطِينِ"
فَقُلْتُ: "أَنْدَلَسٌ" مِفْتَاحُ ضَيْعَتِكُمْ ..... لَوْ لَمْ تَضِعْ لَمْ تَضِعْ "سِنْدٌ" مَعَ "الصِّينِ"
وَلاَ "بُخَارَي" وَلاَ "طَشْقَنْدُ" مِنْ يَدِكُمْ ..... وَلاَ مَرَابِعَ "سِيبِرْيَا" وَ"قِزْوينِ"
وَلَيْسَ صَعْبَاً مَعَ الإِيمَانِ عَوْدَتُهَا ..... إِلَيْكُمُ مِنْ جَدِيدٍ غَيْرِ تَخْمِينِ
فَإِنَّ فِي دَوْلَةِ الإِسْلاَمِ أَمْثِلَةً ..... هَدَّتْ كِيَانَهُمُ فِي غَيْرِ مَا لِينِ
إِنْ تَنْصُرُوْا الله يَنْصُرْكُمْ وَيَخْذُلُهمْ ..... وَعْدٌ صَحِيْحٌ صَرِيْحٌ غَيرِ مَظْنُونِ
فَالْكَوْنُ ِللهِ مَوْلاَنَا يُصَرِّفُهُ ..... وَأَمْرُهُ إِنْ يَشَا فِي الْكَافِ وَالنُّونِ
بُشْرَاكِ "أَنْدَلُسَ" الإِسْلاَمِ إِنَّ لَنَا ..... شُعُورَ قُرْبَى عَمِيقًا فِي الشَّرَايِينِ
فَإِنَّمَا نَسَبُ الإِسْلاَمِ مُشْتَرَكٌ ..... مَهْمَا الْحُدُودُ تَنَاءَتْ أيَّمَا حِينِ
فَالشَّرْقُ مُتَّصِلٌ بِالْغَرْبِ مُقْتَرِبٌ ..... وَالْكُلُّ مُجْتَمِعٌ فِي دَوْحَةِ الدِّينِ
وَإِنْ إسُارِي يَطُلْ فَالْفَكُّ مُنْتَظَرٌ ..... لاَ بُدَّ مِنْ وَقْعَةٍ أُخْرَى "كَحِطِّينِ"
يَا مَنْ يَظُنُّ الثَّرَى هَذَا لَنَا هَدَفًا ..... أَخْطَأْتَ هَاتِيكَ غَايَاتُ الْمَسَاكِينِ
لَسْنَا نُدَافِعُ عَنْ هَذَا الثَّرَى أَبَدًا ..... فَإِنَّ مَرْجِعَهُ حَتْمًا إِلى الطِّينِ
فَالْفَتْحُ غَايَتُهُ بَدْءًا وَعَاقِبَةً ..... تَبْلِيْغُ دَعْوَةَ رَبِّي دُونَ تَوْهِينِ
لَكِنْ نُدَافِعُ عَنْ أَرْضٍ هِيَ انْتَسَبَتْ ..... يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ لِلإِسْلامِ وَالدِّينِ
فَالْكُلُّ يَرْتَعُ فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ ..... مُوَفَّرَ الْعِرْضِ حُرًا غَيرَ مَغْبُونِ
تَسِيرُ قُوَّادُنَا مَا بَيْنَ مَشْرِقِهَا ..... وَبَيْنَ مَغْرِبَهَا مِنْ غَيْرِ تَوْهِينِ
تُبَلِّغُ الأَرْضَ دِينَ اللهِ أَجْمَعَهَا ..... فَيَأْمَنُ الْخَلْقُ فِيهَا أَيَّ تَأْمِينِ |